يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

535

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

أهل الهند بعثوا إليهم به ، ارتاعت له نفوس الضعفاء من العوام والنساء ، حتى خرج بعض العوام إلى البادية وترك داره بالمدينة وناديه ، واحتفروا تحت الأرض سربا وأنفاقا ، وأعدوا فيها أقواتا وأرزاقا ، ليتحصن الداخل فيها ، ويستريح من مضرة تلك الريح التي خوّفهم بها صاحب ذلك الكتاب الأفاك الكذاب ، وكان نصه : كونوا على حذر بنيّ وانتظروا * كواكب الخمس في الميزان تقترن بعد الثمانين عاما فالقران بدا * فلا تغرنكم الأشغال والمهن وبعدها ستهب الريح عاصفة * تبيد بعض بني الدنيا وما سكنوا تحصنوا في كهوف من جبالكم * شهرا إذا ما أتاكم ذلك الزمن فليس ينجي الورى منها إذا ظهرت * من المنون حصون الأرض والمدن فإن أعش وشهدت الحال كنت لهم * نوحا إذ انتشيت في عصره السفن وإن أمت فافعلوا ما قد أمرتكم * جهرا فإن جميع الخلق ما فطنوا كونوا على حذر عامين وانتظروا * فإنها بأفوق الأرض تمتحن وبعد هذا الشعر البارد ، ما نصه عليك وارد ، وهو أنه صح عندنا خبر هذا الطوفان واجتماع الكواكب في الميزان ، فدل على خراب جميع البلدان بالجملة ، ولا يبقى على وجه الأرض جدار ولا شجرة قائمة إلا تذهب من شدة الريح ، وتكون هذه الريح من نصف ليلة الاثنين إلى نصف يوم الأربعاء من اليوم التاسع والعشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وثمانين ، ولا تبقي مدينة إلا ويعمها الرمل ، وقد استعد أهل الهند بحفر الغيران في الأرض الصلبة ، ويكون مع هذه الريح الخسف والزلازل ، وهي ريح سوداء لها هبوب عظيم . ولما أتتنا هذه الرسالة تغير لها كما تقدّم قلوب كثير من العوام التي تأتي بالطوام ، ولم يشكوا أنه حق ، وأنه هلاك هذا الخلق ، إلا من عصمه اللّه من أهل العلم والدين ممن لا يعبأ بكلام المنجمين الملحدين ، ولما أرسلت إليّ وفتحتها ، وأمعنت النظر فيها وتصفحتها ، رأيتها في الظاهر آفة ، وفي الباطن سخافة وخرافة ، وأن ذلك الشعر الفاتر ، ينبي عن قائله أنه كافر ، لا دعائه علم الغيب الصحيح ، وهذا هو الكفر الصريح ، وذكر في شعره القبيح ، إهلاك الخلق بالريح ، وشبه نفسه في ذلك الكلام بنوح على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام . فقلت أردّ عليه ذلك القول ، وأسكن قلوب الناس من ذلك الهول ، وللّه المنة والطول ، وبيده القوة والحول : سبحان من يعلم الأشياء قاطبة * فعنده يستوي الإسرار والعلن هو العليم الخبير الحي جل فلا * يعروه سهو ولا نوم ولا وسن ويعلم الغيب لم يطلع بريته * عليه فهو لديه الدهر مختزن