يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
481
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
مجيد . لم خصّ هذين الاسمين من بين أسمائه تعالى دون غيرهما . فأول ما ينبغي أن تعلم أنّ الصلاة من اللّه هي الرحمة في قوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ [ الأحزاب : 43 ] ، فصلاته على عباده : رحمته إياهم ، وصلاة ملائكته عليهم : الدعاء لهم ، وسكوت النبي عليه الصلاة والسلام كان على ما يقال : استحياء ، إذ كان فيه معنى المدح له والثناء عليه ، ثم لم يجد بدا من طاعة اللّه وامتثال أمره فقال ما تقدّم . وقيل : إنما سكت ليتخير ما يقول . فقال قولوا ، فذكر الصلاة كما تقدّم . وتشبيه الصلاة بصلاة إبراهيم من بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقوله فيها : إنك حميد مجيد . انتزعه من قوله تعالى : رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ [ هود : 73 ] فسأل النبي عليه الصلاة والسلام من ربه صلاة مثل الصلاة التي صلاها على خليله إبراهيم ، إذ أمره ربه عز وجل أن يستن به فقال : مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ [ الحج : 78 ] وقال سبحانه وتعالى يثني على إبراهيم عليه السلام : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 120 ) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 121 ) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 122 ) ثم قال بعد هذه الأوصاف الجميلة والأخلاق الحميدة : ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ النحل : 120 - 123 ] . ففعل صلى اللّه عليه وسلم ما أمر به ، واقتدى به في كل شيء حتى في الختان والخفاض . جاء في الحديث أن إبراهيم عليه السلام أوّل من اختتن ، وأوّل الناس رأى الشيب ، واختتن بالقدوم ؛ مثقلة ؛ ويروى ؛ مخففة ؛ وهو بالتثقيل : موضع ، وبالتخفيف : الآلة التي للنجار . واختتن عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة . وأما الخفاض : فهو في النساء ، وأوّل من فعل ذلك سارة امرأة إبراهيم عليه السلام ، غضبت على هاجر أم ولده ، وهي أم إسماعيل عليه السلام ، فحلفت أن تقطع منها ثلاثة أعضاء ، فأمرها عليه السلام أن تثقب أذنيها وتخفضها ، ففعلت فبر قسمها وصارت سنة في النساء بعدها ، وامتثلها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكذلك امتثل صلى اللّه عليه وسلم أمر اللّه في الصلاة عليه وذكر الآل ، كما ذكر أهل البيت في الآية ، وقال : إنك حميد مجيد ، كما في الآية ، مع ما في هاتين اللفظتين من خفي الألطاف في السؤال ، وسؤال الأدب مع أبيه إبراهيم لم يطلب زيادة عليه تصريحا ، لكن أومى إليه بذكر هاتين اللفظتين ، لأن المجد في اللغة : الزيادة والكثرة .