يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

470

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

وبقيت هناك نكتة في مثل قول عبد اللّه بن مسعود : ليته لم يكن ، إنما كرهه لمن يقوله على جهة الاعتراض على القضاء والسخط له والتبرم به ، يلحظ من باطنه أنّ الخير فيما يصنع اللّه تعالى ، وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 216 ] ، وقد جعل اللّه تعالى في المكروه خيرا كثيرا فقال : فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [ النساء : 19 ] ، ويروى عن بعض الصحابة رضي اللّه عنهم أنه كان يقول : إذا استخرت اللّه في أوّل يومي ما أبالي ما أصابني في آخره . ويروى عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه قال في الحجة التي انصرف منها ولم يحج بعدها : الحمد للّه الذي لا إله إلا هو ، معطي من شاء ، لقد كنت في هذا الوادي ؛ يعني : ضجنان ؛ أرعى إبلا للخطاب ، وكان فظا غليظا يتعبني إذا عملت ، ويضربني إذا قصرت ، وقد أصبحت وليس بيني وبين اللّه عز وجل أحد أخشاه . ثم تمثل بهذه الأبيات فقال : لا شيء مما ترى تبقى بشاشته * يبقى الإله ويؤدى الأهل والولد لم تغن عن هرمز يوما خزائنه * والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا ولا سليمان إذ تجري الرياح له * والإنس والجن فيما بينها ترد أين الملوك التي كانت لعزتها * من كل أوب إليها وافد يفد حوض هنالك مورود بلا كذب * لا بد من ورده يوما كما وردوا وقال الخطابي رحمه اللّه : جاء في الحديث : لا يضر الغبط ؛ كما لا يضر الشجر الخبط . وفسره : الغبط مصدر : غبطت الرجل أغبطه غبطا : إذا كان له يسار ونعمة ، فتمنيت أن يكون لي مثل ذلك ، وهذا غير مكروه ، ما لم تتمن فقده منه وزوال النعمة عنه إليك ، وإنّما المكروه من ذلك والمذموم منه الحسد ؛ وهو : أن تتمنى زوال نعمته وانتقالها إليك . والخبط : أن تشدّ أغصان الشجرة ثم تضرب بعصا ليتحات ورقها ، يقول : كما لا يضرّ هذا بأصول الشجر ، لأن ورقها مستخلف . فكذلك الغبط لا يضرّ صاحبه لأنه إنّما يسأل اللّه من فضله . انتهى كلامه . قلت : فإذا كان التمني من العبد أن لا يكون ولا يخلق على جهة الحذر والإشفاق مما يتوقع في الآخرة من الأهوال ؛ مع احتقاره لقلة عمله وفرط الخوف على نفسه ، فقد تمنى ذلك فضلاء صالحون أعلاهم أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه ، قال وقد أبصر طائرا على شجرة : طوبى لك يا طائر تأكل الثمر وتقع على الشجر ، لوددت أني ثمرة تنقرها الطير . وأبو حفص عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يقول ؛ وأخذ تبنة من