يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
463
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
عمر بحجر فوضعه إلى حجر أبي بكر ، ثم أخذ الناس في البنيان . وفي الخطابي عن الشموس بنت النعمان قالت : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين بنى مسجد قباء يأتي بالحجر قد صهره إلى بطنه فيضعه ، فيأتي الرجل يريد أن يقله فلا يستطيع حتى يأمره أن يدعه ويأخذ غيره . ومعنى صهره : ألصقه ، ويقال أيضا : أصهره . ومنه اشتقاق الصهر في القرابة . وأتم عمار رحمه اللّه هذا المسجد ، وهو الذي جمع الحجارة ، وهو أوّل مسجد بني في الإسلام وفي أهله نزلت : فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [ التوبة : 108 ] ، فهو على هذا القول المسجد الذي أسس على التقوى في بني عمرو بن عوف ، ولهم قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : ما هذا الطهور الذي أثنى اللّه عليكم ؟ . فذكروا الاستنجاء بالماء بعد الاستجمار بالحجارة . فقال : هو ذاكم فعليكموه . وقال الأستاذ رحمه اللّه بعد أن ذكر هذا الكلام : وليس بين الحديثين تعارض ؛ كلاهما أسس على التقوى ، غير أن قوله سبحانه : مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ يقتضي أنه مسجد قباء لأن تأسيسه كان في أول يوم من حلول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دار هجرته ، والبلد الذي هو مهاجره وهو أوّل التاريخ الذي اتفق عليه عمر والصحابة رضي اللّه عنهم ، لأنه الوقت الذي أعزّ اللّه فيه الإسلام ، والحين الذي أمن فيه النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأسس المساجد وعبد اللّه آمنا كما يحب ، فوافق رأيهم هذا ظاهر التنزيل ، وكانوا أعلم الناس بالتأويل ، رضي اللّه عنهم أجمعين . وعلى هذا فليس يحتاج في قوله تعالى : مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ إلى إضمار كما قدّره بعض النحويين من تأسيس أوّل يوم ، فرارا من دخول ( من ) على الزمان ، و ( من ) تدخل على الزمان . قال اللّه تعالى : لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ [ الروم : 4 ] ، انتهى كلامه . وتقدّم : آس ، جاء منه في الحديث في حديث قيلة الطويل الذي خرجه أبو بكر بن أبي شيبة وغيره أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : أيغلب أحيدكم على أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفا ، فإذا حال بينه وبين من هو أولى به منه استرجع . ثم قال : رب آسنى ما أمضيت وأعنى على ما أبقيت . ورواه الخطابي : رب أسنى ، وقال معناه : عوّضني ، وأنشد : أسني فقد قلت رفاد الأوس ويقال أنا أستئيس اللّه منك أخا أي : أستبدله منك أخا ، واللّه مستآس أي : معتاض ، وأنشد : وكان الإله هو المستآسا