يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

445

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

ومن الورع ما حدثت عن رجل كان يسمر مع أصحابه في بيت رجل مريض وهو في النزع ، فلما مات ذلك الرجل أطفأ هذا القنديل ، فقيل له في ذلك فقال : من أراد أن يسمر في الضوء فليأت بزيت من عنده ، وإنما الزيت الذي في القنديل للأيتام ، وما دام صاحب الزيت حيا سمرنا به ، فإذ قد مات فإنما هو ميراث . هذا معنى كلامه . ومما يشبه حديث عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه المتقدّم في القيء ما يروى عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه ؛ حدث زيد بن أرقم قال : كان لأبي بكر مملوك ، فأتاه ليلة بطعام ، فتناول منه لقمة ، فقال له المملوك : ما لك ! كنت تسألني كل ليلة ولم تسألني الليلة ؟ قال : حملني على ذلك الجوع . من أين جئت بهذا ؟ . قال : مررت بقوم في الجاهلية ، فرقيت لهم فوعدوني ، فلما أن كان اليوم مررت بهم ، فإذا عرس لهم فأعطوني . قال : أف لي كدت أن تهلكني ، فأدخل يده في حلقه فجعل يتقايا وجعلت لا تخرج ، فقيل له : إن هذه لا تخرج إلا بالماء ، فدعا بعس من ماء ، فجعل يشرب ويتقيا حتى رمى بها . فقيل له : رحمك اللّه كل هذا من أجل هذه اللقمة ؟ قال : لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها ، سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به ، فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة . وتقدّم ذكر القافة ، وأن عائشة قالت : دخل قائف ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شاهد وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة مضطجعان ، فقال : إن هذه الأقدام بعضها من بعض ، فسر بذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم . وفي رواية : وعليهما قطيفة وقد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما . وفي رواية : كان اسم القائف مجرز المدلجي ، فاحتج بهذا الحديث من حكم بقول القافة . وقال : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم أثبته علما . ولم ينكره ، ولو كان خطأ لأنكره ، لأن في ذلك قذف المحصنات ونفي الأنساب . وقال أبو داود : وكان أسامة أسود شديد السواد ؛ وزيد أبوه أبيض من القطن ، وكان أهل الجاهلية يقدحون في نسبه . فلما قضى القائف بما تقدّم سرّ بذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لأن أهل الجاهلية كانوا يصغون إلى قول القائف . واختلف العلماء في القول بالقافة ، فنفاه أبو حنيفة ، وأثبته الشافعي ، ونفاه مالك في الحرائر ، وأثبته في الإماء على المشهور عنه . وقد روي عنه إثباته فيهما جميعا ، ولكل واحد حجة مذكورة في كتبهم . وقد يسمى الذي يتتبع الآثار أيضا : فائفا . ووقع في حديث العرنيين : فبعث النبي صلى اللّه عليه وسلم في طلبهم قافة فأتي بهم . وأصله : من تتبع الأثر . والاقتفاء إنما أصله أن تمشي وراء من تطلبه فتستقبل بوجهك قفاه ، ويكون هذا حقيقة واستعارة . قال اللّه تعالى : ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا