يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

438

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

ثم قال : هل جزيتها ؟ . فقال ابن عمر : هل تجزي الوالدة ؟ ! . ويروى أن رجلا بلغ من الكبر إلى أن صار ابنه يحمله ويربيه ويغذوه كالطفل ، فقال له ابنه يوما : يا أبة هل جزيتك ؟ ربيتك كما ربيتني فقد استوينا . فقال أبوه : كلا . قال : وكيف ذاك ؟ قال الأب : إني إذ كنت أربيك أتمنى حياتك وأنتظر شبابك ، وأنت اليوم تتمنى موتي . أو كما قال . وفي الصحيح : لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه . ومات ابن لبعضهم فوجد عليه ، وذكر من بره به ، قال : ما أخذ عني الشمس في شتاء قط ، ولا الروح في صيف قط ، ولا مشى بليل قط إلا أمامي ، ولا بنهار إلا خلفي ، ولا رقى سطحا قط وأنا تحته . وسئل آخر عن وجده بابنه فقال : ما رأيته قط فشبعت من رؤيته ، ولا غاب عني قط إلا اشتقت لرؤيته . وكان بعضهم لا يأكل مع أمه برا بها ، فقيل له في ذلك فقال : أخاف أن أمدّ يدي إلى شيء كانت تريد أن تأكله . والباب في هذا طويل ، والمستعمل له اليوم قليل ، ومن ذلك القليل ما قرأته بسنده أن الفقيه أبا إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان القرطبي رضي اللّه عنه كان لا يخرج من منزله إلا إذا أخذ رجل والدته فوضعها على خده وهو يقول : اللهم إنك قلت في كتابك : وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [ الإسراء : 24 ] وإني قد خفضت لهما جناحي فاغفر لي يا أرحم الراحمين . هذا في حياتهما وأما بعد الموت فقد سأل رجل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : هل بقي عليّ شيء من برّ والديّ أبرهما به بعد موتهما ؟ . فقال : نعم ، الصلاة عليهما ؛ يعني الدعاء والاستغفار لهما ، وإكرام صديقهما ، وإنفاذ عهودهما ، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما . وهذه الفضائل قد استعملها الأفاضل من الأوائل . خرج مسلم من طريق عبد اللّه بن دينار ، عن ابن عمر أنه كان إذا خرج إلى مكة كان له حمار يتروح عليه ، إذا ملّ ركوب الراحلة ، وعمامة يشدّ بها رأسه ، فبينا هو ذات يوم على ذلك الحمار ، إذ مرّ به أعرابي فقال : ألست ابن فلان ؟ . قال : بلى . فأعطاه الحمار ، وقال : اركب هذا ، والعمامة اشدد بها رأسك . فقال له بعض أصحابه : غفر اللّه لك أعطيت هذا الأعرابي حمارا كنت تروح ، عليه وعمامة كنت تشدّ بها رأسك ؟ . فقال : إني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : إن من أبرّ البرّ صلة الرجل أهل ودّ أبيه بعد أن يولي . وإن أباه كان صديقا لعمر . وروى الترمذي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : رضاء الرب في رضاء الوالدين ، وسخط الرب في سخط الوالدين . ويروى أن رجلا جاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه دلني على عمل أعمله ؟ . قال : هل لك والد ووالدة ؟ . قال : نعم . قال : فإنما يكفيك مع البرّ بالوالدين العمل اليسير . ومثل