يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
419
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
يا رب خل بيني * وبين ذا البين أجرى من العين * دمعا بلا عين فاسمي بلامين * علي بلامين أراد : عليل . ومعنى بلا مين : بلا شك . وهذا الكلام فيه استحسان . وأستغفر الرحمن من طغيان اللسان ، وأكفر هذه الخرافات بذكر ما أودع اللّه في العين من الآيات . ذكر بعض العلماء أن اللّه عز وجل ؛ بلطيف صنعه ؛ ركب العين على عشر طبقات مختلفة ، بعضها رطوبات ، وبعضها أغشية كأنها نسج العنكبوت ، وبعضها كالمشيمة ، وبعض تلك الرطوبات كأنها بياض البيض ، وبعضها كأنها الجمر أو الجمد ؛ الشك مني . ولكل واحدة من الطباق العشرة صفة وصورة وشكل وهيئة وتدوير وتركيب ، لو اختلفت طبقة واحدة أو صفة لاختل البصر ، وعجز عنه الأطباء والكحالون ، وهكذا سائر الحواس على أشكال وصور . ثم إن اللّه تعالى خلق تحت كل جفن عضلات ، ولها أوتار ورباطات متصلة بأعصاب الدماغ ، بها يتم انخفاض الجفن الأعلى وارتفاع الجفن الأسفل ، وعلى كل جفن شعور سود ، ونعمة اللّه في اسودادها أنه يجمع ضوء العين ، إذ البياض يفرق الضوء والسواد يجمعه . ثم في كل شعرة منها نعمتان ، أن لين أصلها ، وطمس رأسها ، ثم هذا كله جسد العين ، وبقي روحه ، الذي هو النور الذي في الحدقة ، الذي يبصر به المبصرات . فإذا فتح الرجل العين على محرم فقد كفر بفتح العين ، نعمة اللّه في الأجفان ، ولا تقوم الأجفان إلا بعين ، ولا العين إلا برأس ، ولا الرأس إلا بمجتمع البدن ، ولا البدن إلا بالغذاء ، ولا الغذاء إلا بالماء والأرض والهواء والمطر والغيم والشمس والقمر . ولا يقوم شيء من ذلك إلا بالسماوات والأرض ، ولا تقوم السماوات والأرض إلا بالملائكة . فالكل كالشئ الواحد ، مرتبط البعض منه بالبعض ارتباط أعضاء البدن بعضها ببعض . فإذا كفر أحد نعمة اللّه في الوجود من منتهى الثريا إلى منتهى الثرى ، لم يبق ملك ولا فلك ولا حيوان ولا جماد ولا نبات إلا ويلعنه . كما أن العالم باللّه وبنعمه ، المطيع للّه ، العامل بما أمر به ، يستغفر له كل شيء حتى الحوت في الماء . نعم . ولا يتم نظر العين إلا بالنور ، ولا يرى بذلك النور إلا بنور آخر ، إما من شمس أو قمر أو نجم أو ضياء سراج أو مصباح . تقدّم ذكر شعر الجفن ، وذكر ابن قتيبة أن شعر العين ؛ يعني الهدب ؛ هو من الإنسان في الجفنين جميعا ، وليس ذلك لغيره ، والبهائم كلها والسباع إنما لها شفر واحد في الجفن الأعلى .