يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
36
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
لبث أربعمائة سنة لم يصدع له رأس ولا حم له جسم ولم يضرب عليه عرق ، فادعى الربوبية ، ولو أخذته الشقيقة والمليلة في كل يوم لشغله ذلك عن دعوى الربوبية . ومن فائدة المرض أنه يكفّر الذنوب ، فإذا كره الأمراض بقيت ذنوبه عليه موقورة . وفي الخبر : لا تزال الحمى والمليلة بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة . وفي خبر : حمى يوم كفارة سنة . وذلك لأن في الإنسان ثلاثمائة وستين مفصلا تدخل حمى اليوم في جميع المفاصل ، وقد تقدّم . وقيل في قوله تعالى : وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [ لقمان : 20 ] ، قيل : ظاهرة العوافي ، وباطنة : البلاوي ، لأنها نعم في الأخرى . وروي أن موسى عليه السلام رأى رجلا عظيم البلاء فقال : يا رب ارحمه ، فأوحى اللّه عز وجل إليه كيف أرحمه مما به أرحمه . وجاء في الحديث من طريق أهل البيت : إذا أحب اللّه عبدا ابتلاه فإن صبر اجتباه وإن رضي اصطفاه . ومن فوائده : أن الملك يكتب له مثل أعماله الصالحة التي كان يعملها في صحته وأنه يجري له من الحسنات مثل ما كان يجري له على أعماله . وفي الخبر : يقول اللّه لملائكته : اكتبوا لعبدي صالح ما كان يعمل فإنه في وثاقي إن أطلقته أبدلته لحما خيرا من لحمه ، ودما خيرا من دمه ، وإن توفيته توفيته إلى رحمتي . ومن فوائده : تجديد التوبة والحزن على الذنوب ، وكثرة الاستغفار منها ، وحسن التذكرة وقصر الأمل ، وكثرة ذكر الموت . وقد كانوا يستوحشون إذا خرج عنهم عام لم يصابوا فيه بنقص من نفس أو مال . ويقال : لا يخلو المؤمن في كل أربعين يوما أن يروّع بروعة أو يصاب بنكبة . وكانوا يكرهون فقد ذلك في ذهاب هذا العدد من غير أن يصابوا فيه بشيء . لكن هذا الفضل كله إذا لم يشتك المريض مولاه إلى العبيد الذين لا يغنون عنه من اللّه شيئا . ففي الخبر : إذا مرض العبد أوحى اللّه إلى الملكين انظرا ما يقول لعوّاده . فإن حمد اللّه وأثنى عليه دعوا له ، وإن شكا وذكر شرّا قالا كذلك يكون . وعن طاوس ومجاهد رضي اللّه عنهما : يكتب على المريض أنينه في مرضه . قالوا وكانوا يكرهون أنين المريض لأنه إظهار معنى يدل على شكوى . وكره بعض العلماء العيادة خشية الشكاية ، وخوف الزيادة في القول أن يخبر عن العلة بأكثر منها ، فيكون في ذلك كفر للنعمة . وكان بعضهم إذا مرض أغلق أبوابه فلم يدخل عليه أحد حتى يبرأ ، فيخرج منه فضيل ووهيب . وكان بشر يقول : أشتهي أن أمرض بلا عوّاد . وقال فضيل : ما أكره العلة