يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

333

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

سرعة التقليب ، والقدرة على التحريك والتغيير ، فإنك لا تريد أصبعك لشخصه بل لفعله في التقليب والترديد ، وكما أنك تتعاطى الأفعال بأصابعك ؛ فاللّه تعالى إنما يفعل ما يفعل باستحضار الملك والشيطان ، وهما مسخران لقدرته في تقليب القلوب ، كما أن أصابعك مسخرة لك في تقليب الأجسام مثلا . والقلب بأصل الفطرة صالح لقبول آثار الملائكة ولقبول آثار الشياطين صلاحا متساويا ليس يترجح أحدهما على الآخر ، وإنما يترجح أحد الجانبين باتباع الهوى في الإكباب على الشهوات أو الإعراض عنها ومخالفتها . فإن اتبع الإنسان مقتضى الشهوة والغضب ظهر تسلط الشيطان بواسطة الهوى ، وصار القلب عش الشيطان ومعدنه لأن الهوى مرعى الشيطان ومرتعه . وإن جاهد الشهوات ولم يسلطها على نفسه وتشبه بأخلاق الملائكة صار قلبه مستقرّ للملائكة ومهبطهم . ولما كان القلب لا يخلو عن شهوة وغضب وحرص وطمع وطول أمل ، إلى غير ذلك من صفات البشر ، لم يخل أن يكون للشيطان فيه جولان بالوسوسة . ولذلك قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : ما منكم من أحد إلا وله شيطان ، قالوا : وأنت يا رسول اللّه ؟ . قال : وأنا ، إلا أن اللّه تعالى أعانني عليه فأسلم ، فلا يأمرني إلا بخير . وقال مجاهد في قوله تعالى : مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ [ الناس : 4 ] : وهو منبسط على قلب الإنسان ، فإذا ذكر اللّه تعالى خنس وانقبض ، وإذا غفل انبسط على قلبه . وتقدّم كتيبة ململمة وملمومة : مجتمعة ، وقال الشاعر : ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر * تنبو الحوادث عنه وهو ملموم انظره في التكميل مذيلا : قل للذي ظن أن الصخر يسلم من * ريب الزمان فيلفى وهو ملموم هذى المعاول تأتيه فتكسره * فيصنع الجص منه وهو مهشوم فالفأس تفلقه والنار تحرقه * أذاك من حدثان الدهر معصوم الأبيات إلى آخرها . ولملم كذلك بمعنى : جمع وأدار ، ولملم أيضا : اسم واد في جهنم أعاذنا اللّه منه . خرج ابن المبارك رضي اللّه عنه في الرقائق عن أبي هريرة قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : إن في جهنم واديا يقال له : لملم ، إن أودية جهنم تستعيذ باللّه من حره . نعوذ باللّه من جميع سخطه . ومعكوس لملم : ململ ، تقدّم في الحديث : هامة . قال أبو عبيدة : الهامة يعني الواحدة من هوام الأرض ، وهي دوابها المؤذية . قال ثابت : الهامة : الحية ، وجمعها :