يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
331
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
كانت عند النصارى بنجران ، وكانت الأساقفة إذا مات منهم ميت ختم قبل موته عليها ، فكانت الكتب عليها خواتيم عدّة . فخرج الأسقف الأكبر يمشي ومعه ابنه فعثر فقال : تعس شاني محمد . فقال أبوه : مه يا بني إنه نبي واسمه وصورته في الوضائع . قال الأصمعي : الوضائع كتب تكتب فيها الحكمة . فلما مات الشيخ دق الابن الخواتيم وخاتم أبيه ، فأخرج صورة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فآمن وحج وأقبل وهو يقول : إليك تغدو قلقا وضينها * . . . البيت قال أبو عبيد : الوضين بطان منسوج ، وهو فعيل بمعنى : موضون ، يريد أن الناقة قد ضمرت وخف بطنها فاتسع وضينها واضطربت . وقوله : ( مخالفا دين النصارى دينها ) يريد نفسه ، لأن الناقة ليس لها دين . قاله ابن قتيبة . قلت : ونوع من هذه القصة خبر إسلام كعب الحبر رضي اللّه عنه ، وكان أبوه من مؤمني أهل التوراة برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان من عظمائهم وأحبارهم . قال : وكان إسلام كعب عند قدوم عمر رضي اللّه عنه الشام . قال كعب : كان أبي من أعلم الناس بما أنزل اللّه على موسى بن عمران عليه السلام من التوراة وبكتب الأنبياء ، ولكن يدخر عني شيئا مما كان يعلم ، وذلك من قبل مبعث النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فلما حضرته الوفاة دعاني ، فقال : يا بني قد علمت أني لم أكن أدخر عنك شيئا مما كنت أعلم ، إلا أني حبست عنك ورقتين فيهما ذكر نبي يبعث ، وقد أظل زمانه فكرهت أن أخبرك بذلك ، فلا آمن عليك بعد وفاتي أن يخرج بعض هؤلاء الكذابين فتتبعه وتقطعهما من كتابك ، وقد جعلتهما في هذه الكوّة التي ترى ، وطينت عليهما ، فلا تتعرض لهما ، ولا تنظر فيهما زمانك هذا ، وأقرهما في موضعهما حتى يخرج ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فإذا خرج فاتبعه ، وانظر فيهما فإن اللّه يزيدك بهذا خيرا . قال كعب : فلما مات والدي لم يكن شيء أحب إليّ من أن ينقضي المأتم حتى أنظر ما في الورقتين ، فلما انقضى المأتم فتحت الكوّة ثم استخرجت الورقتين ، فإذا بهما محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، خاتم النبيين لا نبي بعده ، مولده بمكة ، ومهاجره طيبة ، ليس بفظ ، ولا غليظ ، ولا صخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ، أمّته الحمادون الذين يحمدون اللّه على كل شرف وعلى كل حال ، وتذل ألسنتهم بالتكبير ، وينصرهم اللّه بنبيهم على كل من ناوأهم ، يغسلون فروجهم بالماء ، ويأتزرون على أوساطهم ، وأناجيلهم في صدورهم ، ويأكلون قربانهم ويؤجرون عليها ، وتراحمهم بينهم تراحم بني الأم والأب ، وهم أوّل من يدخل الجنة من الأمم ، وهم السابقون المقربون والشافعون والمشفع لهم . قال : فلما قرأت هذا قلت في نفسي واللّه