يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

318

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

والوجه الآخر يكون على وجه الوعيد ، كقول اللّه عن وجل : اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [ فصلت : 40 ] ، وكما قال تعالى : وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ [ الإسراء : 64 ] ، وكقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : من كذب عليّ متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار . وفيه وجه ثالث أن يكون بمعنى الأمر كأنه قال : اصنع ما شئت من الأمر الذي لا تستحي منه ، وما تستحي منه فلا تفعله . وفيه وجه رابع ؛ الرجل يريد فعل الخير فيردعه الحياء من الناس كأنه يخاف مذهب الرياء فقال : لا يمنعك الحياء أن تمضي لما أردت . كما جاء في الحديث : إذا جاءك الشيطان وأنت تصلي فقال : إنك مراء . فزدها طولا . وفيه وجه خامس ؛ إنه على وجه الذم ، بمعنى : من لا يستحي صنع ما شاء ، على معنى الخبر . كما قال الشاعر : إذا لم تخش عاقبة الليالي * ولم تستحي فاصنع ما تشاء وكما قال آخر : إذا لم تصن عرضا ولم تخش خالقا * وتستحي مخلوقا فما شئت فاصنع ويقال : استحى واستحيى . وقال الشاعر : أما تستحي أن ترعوي أو تفكر قال بعضهم : الحياء على وجوه : حياء الجناية ؛ كآدم عليه السلام لما قيل له : أفرارا منا يا آدم ؟ . قال : بل حياء منك . وحياء التقصير ؛ كالملائكة يقولون : ما عبدناك حق عبادتك . وحياء الإجلال ؛ كحياء إسرافيل عليه السلام تسربل بجناحه حياء من اللّه تعالى . وحياء الكرم ؛ كالنبي عليه الصلاة والسلام كان يستحي من أمته من أن يقول اخرجوا ، فقال تعالى : وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ [ الأحزاب : 53 ] . وحياء خشية ؛ كعليّ رضي اللّه عنه حين سأل المقداد حتى سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن حكم المذي لمكان فاطمة رضي اللّه عنها منه . وحياء استحقار ، كموسى عليه السلام قال : إنه لتعرض إليّ الحاجة من الدنيا فأستحي أن أسألكها يا رب . فقال اللّه تعالى : اسألني عن ملح عجينك وعلف شاتك . وحياء الإنعام ؛ وهو حياء الرب سبحانه ، يدفع إلى عبده كتابا مختوما بعد ما عبر الصراط ، فإذا فيه : فعلت ما فعلت واستحييت أن أظهره عليك ، فاذهب فإني قد غفرت لك .