يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
316
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
فأصابهم ظمأ شديد كاد يقطع أعناقهم ، فلما أتوا ضارجا ذكر أحدهم قول امرئ القيس : ولما رأت أن الشريعة همها * وأن البياض من فرائصها دامي تيممت العين التي عند ضارج البيت . فقال أحدهم : واللّه ما وصف امرؤ القيس شيئا إلا على حقيقة وعلم فالتمسوا الماء فهذا ضارج ، وكان ذلك وقت الظهيرة ، فمشوا على فيء الجبل حتى عثروا على العين ، فسقوا واستقوا . فلما أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قالوا : يا رسول اللّه لولا بيتان لامرئ القيس لهلكنا ، وأنشدوه إياهما . فقال : ذاك نبيه الذكر في الدنيا خامله في الآخرة ، كأني أنظر إليه يوم القيامة بيده لواء الشعراء إلى النار . نعوذ باللّه من النار . وتقدّم : آمت المرأة وتأيمت ؛ جاء منه في الحديث عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : لما تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي ؛ وكان من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد شهد بدرا ؛ فتوفي بالمدينة ، قال عمر : فلقيت عثمان فعرضت عليه حفصة فقلت : إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر فقال : سأنظر في أمري . فلبثت أياما ثم لقيني فقال : قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا . قال عمر : فلقيت أبا بكر الصديق فقلت له : إن شئت أنكحتك حفصة . فصمت أبو بكر ولم يرجع إلى شيئا . فكنت عليه أوجد مني على عثمان ، فلبثنا ليالي ثم خطبها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأنكحتها إياه ، فلقيني أبو بكر فقال : لعلك وجدت عليّ حين عرضت عليّ حفصة فلم أرجع إليك . قلت : نعم . قال : فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليّ إلا أني قد علمت أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد ذكرها ، فلم أكن لأفشي سر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولو تركها لقبلتها . وتقدّم في البيت : ( وإن تخاطبك تبلت ) وذلك لفرط الحياء ، والحياء ممدود من الاستحياء وكذلك حياء الناقة : فرجها ، والحيا ، مقصور : المطر والخصب ، ومن الحياء المحمود الممدوح في النساء ما ذكر عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ؛ وذكر قول اللّه تعالى : فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ [ القصص : 25 ] قال : قابلة بكمها على وجهها ، ليست بسلفع من النساء خراجة ولاجة . خرجه ثابت . وقال يقال : رجل سلفع وهو الجريء الجسور . وامرأة سلفع ، الذكر والأنثى فيه سواء ، وهي من النساء السليطة . وقالت عائشة رضي اللّه عنها : نعم النساء نساء الأنصار ، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين . ولذلك قالوا : لا يتعلم العلم مستحي ولا متكبر . وأذكر عثمان رضي اللّه عنه وشدة حيائه ، وقد تقدم أنه كان يكون في البيت