يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
287
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
فصل في التفكر : اعلم أن كل ما في الوجود مما سوى اللّه تعالى فهو فعل اللّه وخلقه ، وكل ذرة من الذرات من جوهر وعرض وصفة وموصوف ففيها عجائب وغرائب . فلا تتحرك ذرة في السماوات والأرض جماد ونبات وفلك وكوكب إلا ومحركها اللّه تعالى . وفي حركتها حكمة أو حكمتان أو عشر ، أو ألف حكمة كلها شاهدة للّه تعالى ودالة على جلاله وكبريائه ، وهي الآيات الدالة عليه . وقد ورد في القرآن الحث على التفكر في هذه الآية كما قال تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ [ آل عمران : 190 ] وفي القرآن من هذا كثير كقوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ * كذا وَمِنْ آياتِهِ * كذا وَمِنْ آياتِهِ . * وقال : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الذاريات : 21 ] و : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ [ الطارق : 5 ] ، أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى [ القيامة : 37 ] ، إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ [ الإنسان : 2 ] ، وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 12 ) يعني آدم عليه الصلاة والسلام ، ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 13 ) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً [ المؤمنون : 12 - 14 ] وتكرر ذكر النطفة في القرآن العزيز ، أليس تسمع اللفظ وتترك التفكر في المعنى . فانظر الآن إلى النطفة وهي قطرة من الماء أخرجها رب الأرباب من بين الصلب والترائب . ولو تركت ساعة وضربها الهواء لفسدت وأنتنت ، ولم يخلق منها شيء ، فانظر كيف جمع بين الذكر والأنثى وألقى الألفة والمحبة في قلوبهم ، وكيف قادهم بسلسلة المحبة والشهوة إلى الاجتماع ، وكيف استخرج النطفة من أجل حركة الوقاع ، وكيف استجلب دم الحيض من أعماق العروق وجمعها في الأرحام ، ثم كيف خلق المولود من النطفة وسقاه من دم الحيض ، وغذاه حتى نمى وتربى وكبر ، وكيف جعل النطفة وهي بيضاء مشرقة علقة حمراء ، ثم كيف جعلها مضغة ، ثم كيف قسم أجزاء النطفة وهي متساوية إلى العظام والأعصاب والعروق والأوتار واللحم والشحم والجلد والشعر . ثم كيف ركبه من اللحم والأعصاب والأعضاء الظاهرة . قدّر الرأس ، وشق السمع والبصر والأنف والفم وسائر المنافذ ، ثم مد اليد والرجل وقسم رؤوسها بالأصابع ، وقسم الأصابع بالأنامل ، ثم كيف ركب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة والأمعاء . كل واحد على شكل مخصوص ومقدار مخصوص لعمل مخصوص . ثم كيف قسم كل عضو من هذه الأعضاء بأقسام أخر . فركب العين من عشر طبقات ، لكل طبقة وصف مخصوص وهيئة مخصوصة ، لو