يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
279
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
ذلك عمل ، أو يخلقه دون هذا السبب ! أعني : النطفة . بدليل ما نشاهده من الحيوانات المخلوقة في الحبوب والثمر الكائنة قبل وجودها في الشجر عدما عندنا ، معلومة عند خالقنا . ولو كان لأحد في الأمر حكم ، أو في الخلق قدرة لكان ما يريد ، ولم ينكر عليه من مراده مريد ، إذ المجامع يريد ذكرا فيجيء أنثى ، وقد لا يجيء لا ذا ولا ذا ، ثم إذا جاء يريده على كذا فيجيء على خلافه يريد أنثى فيجيء ذكرا ، يريد طويلا فتلد امرأته قصيرا بخلافه . كما يحكى عن الأصمعي قال : كان أعرابي قبيحا طويلا ، فخطب امرأة فقيل له أي ضرب تريدها ؟ . فقال : أريدها قصيرة جميلة فيأتي ولدها على جمالها وطولي ، فتزوجها على تلك الصفة فجاء ولدها على قبحه وقصرها . خرجه ثابت رحمه اللّه . يقال هذا الكلام لمن ينكر خلق عيسى عليه السلام من غير ذكر ، وآدم عليه السلام من غير ذكر ولا أنثى . فإذا تحقق هذا علم أن لا خالق سواه ، ولا نافع ولا ضار إلا هو ، ولا هادي ولا مضل إلا اللّه ، ولا محيي ولا مميت غيره ، إنه : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ، و : كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ [ الرعد : 8 ] فيعلم بالنعمة التي أنعم اللّه عليه بها أنه مخلوق ، وأنه مرزوق من أول خلقه ، حكمة من اللّه تعالى ، أول ذلك في بطن أمه وطول عمره وآخر رزق في الدنيا وأول رزق في الآخرة إما من النعيم وإما من الجحيم كما تقدم . ومن ظن أن لا نعمة للّه عليه إلا في مطعم أو مشرب أو ملبس أو منكح فما أجهله بنعم اللّه تعالى . فليأخذ أولا بالجلي الظاهر دون الخفي الباطن . ألم يعلم أن في كل شعرة في جلده نعمتين أسفلها في جسده لين وأعلاها مطموس . أرأيت لو كان طرفها كالإبرة أو كالشوكة كيف كان يستقيم عيشه ، وأن كل عرق فيه متحرك لو سكن ، أو كل ساكن لو تحرك ، أكان يتهني له حال أو يقر له قرار . كما يروى أن عابدا عبد اللّه سبعين سنة ، فأرسل اللّه له ملكا يبشره بدخول الجنة برحمة اللّه تعالى . فقال في نفسه : بل بعملي . فاطلع اللّه على ذلك منه ، فأوحى إلى اللّه عرق ساكن من عروقه أن يتحرك عليه ، فاضطرب بذلك وقلق وانقطعت عبادته وذهبت أعماله شغلا منه بنفسه . فأوحى اللّه إلى ذلك العرق فسكن ، فرجع العبد إلى عبادته ، فأوحى اللّه عز وجل إليه إنما قيمة عبادتك عرق واحد سكن من عروقك . ومثل ذلك خبر الرجل الآخر الذي وقع في نفسه مثل هذا فيبقى في الجنة مثل مقدار أيام عبادته في الدنيا ، ثم يأمر اللّه تعالى بإخراجه ، فيندم ويتوب فيتركه في الجنة برحمته . هذا في شعرة أو عرق . كيف في عضو أو مفصل .