يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
242
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
الذين لم يهابوني ولم يهابوا عسكري ، كيف شأنهم وأمرهم ؟ . قال الوزير : إنهم قوم أعرابيون جاهلون ما يعرفون شيئا ، وإن لهم بيتا يقال له الكعبة وإنهم يعجبون بهذا البيت ، ويسجدون للطواغيت والأصنام من دون اللّه تعالى . فقال الملك : إنهم معجبون بهذا البيت ؟ . قال : نعم . فنزل الملك ببطحاء مكة مع عسكره وتفكر في نفسه دون الوزير ودون الناس ، وعزم أن يأمرهم بهدم البيت ، وإنّ التي سميت كعبة تشتهر خربة ، وأن يقتل أهلهم ويسبي نساءهم وذراريهم . فأخذه اللّه تعالى بالصداع ، وقيح مرار أذنيه وأنفه وفمه كل يسيل قيحا منتنا ، فلم يكن أحد منهم يصبر عنده طرفة عين من أجل الريح . فاستقذر لذلك وقال لوزيره : اجمع العلماء والأطباء وشاورهم في أمري . فاجتمع العلماء والأطباء فلم يصبر أحدا منهم على نتنه ، ولم تمكنهم مداواته . فقال : قد جمعت الحكماء من بلدان مختلفة ووقعت في هذه العلة ولم يقم أحد منكم في مداواتي . فقالوا بأجمعهم : إنا قوم أمرنا أمر الدنيا ، وهذا أمر سماوي ولا يستطاع رد أمر السماء . واشتد الأمر على الملك فتفرق عنه الناس وأمره كل ساعة أشد حتى أقبل الليل وجاء أحد العلماء إلى وزيره فقال : إن بيني وبينك سرا وهو إن كان الملك يصدقني في كلامه وما نواه في قلبه عالجته . فاستبشر الوزير بذلك وأخذه وحمله إلى الملك وقال للملك : إن رجلا من العلماء ذكر إن صدق الملك في كلامه وما نواه في قلبه ولم يكتم شيئا منه عالجته . فاستبشر الملك بذلك وأذن له بالدخول عليه . فدخل عليه فقال : إن بيني وبينك سرا أريد الخلوة بك . فخلا به فقال : هل نويت في هذا البيت أمرا ؟ . فقال : نويت أن أخرب هذا البيت ، وأقتل رجالهم وأسبي نساءهم . فقال : إن وجعك وبلاءك من هذا . اعلم أن صاحب هذا البيت قوي يعلم الأسرار ، فيجب أن تخرج من قلبك جميع ما نويته ، ولك خير الدنيا والآخرة . قال الملك : قد أخرجت جميع المكروهات من قلبي ونويت جميع الخيرات والمعروفات فلم يخرج العالم الناصح من عنده حتى برئ من العلة ، وعافاه اللّه تعالى من ساعته ، وخرج من منزله صحيحا على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وخلع على الكعبة سبعة أثواب ، وهو أول من كسا البيت ، ودعا أهل مكة وأمرهم بحفظ الكعبة ، وخرج هو إلى يثرب . ويثرب هي بقعة فيها عين ماء ليس فيها نبات ولا بيت ولا أحد ، فنزل على رأس العين مع عسكره فجمع العلماء والحكماء الذين كانوا معه ، واختارهم من بلدان مختلفة ، ورئيس العلماء الناصح الشفيق لدين اللّه تعالى الذي أعلم الملك بشأن الكعبة ، ثم إنهم اجتمعوا وتشاوروا ، فاعتزل من بين أربعة آلاف رجل عالم أربعمائة كانوا ممن كان أعلم وأفهم ، وبايع كل واحد منهم صاحبه أنهم لا يخرجون من ذلك المقام وإن