يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

178

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : ما من مؤمن ولا فاجر إلا كتب اللّه له رزقه من الحلال فإذا صبر أتاه ، وإن جزع فتناول شيئا من الحرام نقصه اللّه من رزقه الحلال . وقال بعض العلماء : لا بد لكل حي من رزق حتى لو دعا العبد فقال : اللهم لا ترزقني . لقال اللّه تعالى له : يا جاهل إني خلقتك ولا بد لك من رزق وأنت في سؤالك هذا عاص . نسأل اللّه تعالى أن يرزقنا حلالا طيبا ويستعملنا صالحا . وقد قيل في الرزق الطيب : إنه الحلال . وقد قيل في قوله تعالى : وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ [ الأعراف : 32 ] ما حرموا من أنعامهم ، وقيل الحلال كما تقدم . وقيل اللذيذ من الأطعمة بعد أن يكون حلالا . وقال بعض العلماء : لو هرب الإنسان من رزقه لطلبه حتى يصل إليه كما لو هرب من الموت لأدركه ، وكما لا يقدر الإنسان أن يزيد في عمره ساعة ولا نفسا ولا طرفة عين ، فكذلك لا يقدر أن يزيد في رزقه ذرة . نعم ولو اجتمع الخلائق كلهم على ذلك لعجزوا عنه . وقال عليه الصلاة والسلام لرجلين من أصحابه وهما حبة بن خالد وسواء بن خالد : لا تيأسا من الرزق ما تهززت رؤوسكما ، فإن الولد تلده أمه أحمر ليس عليه قشرة ثم يرزقه اللّه عز وجل . خرجه ثابت رحمه اللّه ، وقال : القشرة اسم الثوب . وكل ملبوس قشر ، والقشار : جلد الحية التي تزيله عنها . وروي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : اختلف الناس في كل شيء إلا الأجل والرزق وأجمعوا أن لا رازق إلا اللّه ولا مميت إلا اللّه . وقال : إن اللّه تعالى لما خلق الأرزاق أمر الرياح أن تفرقها في أقطار الأرض ففرقتها ، فمن الناس من وقع رزقه في مائة ألف موضع ، ومنهم من وقع رزقه في عشرة آلاف ، ومنهم من وقع رزقه في كذا وينقص من العدد ، حتى قال : ومنهم من وقع رزقه على باب منزله يغدو ويروح إليه . فكل عبد يسعى بأثره الذي كتب له حتى يستوفي رزقه الذي قسم له ، فإذا فني أثره واستوفى رزقه جاء ملك الموت وقبض روحه . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم للزبير بن العوام رضي اللّه عنه : إن مفاتيح الرزق مبسوطة بباب العرش بقدر نفقاتهم ، فمن كثر كثر له ، ومن قتر قتر له ، واعلم أن العبد لا ينقطع رزقه أبدا منذ ظهرت خلقته ، كان في بطن أمه غذاؤه كل ما يفيض من دم الحيض مما تفيض به الأرحام ، يعيش بذلك جسمه من ظاهره ومعاه المستطيل من سرته متصل بمعا أمه ، يصل من بطنها مخ الطعام إلى بطنه فيعيش بذلك باطنه ، فإذا أذن اللّه لخروجه بعث إليه الملك فقطع ذلك المعا من موضع اتصاله بمعا أمه ، فإذا دخل في الدنيا جعل رزقه من الدنيا ، فإذا خرج من الدنيا فآخر رزقه من الدنيا أول رزقه في الآخرة ، فإذا دخل في الآخرة كان رزقه في البرزخ ، كما كان في الدنيا بتلك المعاني