يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

113

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

فصل : [ وتكلم العلماء في الإمام والمؤذن أيهما أفضل ، فقالت طائفة : المؤذن . واحتجوا . . . ] وتكلم العلماء في الإمام والمؤذن أيهما أفضل ، فقالت طائفة : المؤذن . واحتجوا بما تقدم في فضل الأذان ، وقالوا : قد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن ، وبالأذان تحقن الدماء ، فهو فرض في المصر من أجل أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يكن يغير على قوم بليل حتى يصبح ، فإن سمع الأذان كفّ ، وإن لم يسمع أغار . وقال صلى اللّه عليه وسلم : من صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه ملك وعن شماله ملك ، فإن أذّن وأقام الصلاة ، صلى وراءه من الملائكة أمثال الجبال . وعن كعب الأخبار قال : من أذّن في السفر وأقام صلى خلفه ما بين الأفقين من الملائكة ، ومن أقام ولم يؤذّن لم يصل معه إلا ملكاه الكاتبان . فانظر ماذا زاده من الخير بسبب الأذان . وقالت طائفة : الإمام أفضل ، واحتجوا بأن النبي صلى اللّه عليه وسلم أمّ ولم يؤذن ، وما كان عليه الصلاة والسلام يقتصر على الأدنى ويدع الأعلى ، واعتذر عن هذا القول بأن النبي صلى اللّه عليه وسلم إنما ترك الأذان لما اشتمل عليه من الثناء عليه والشهادة له بالرسالة والتعظيم لشأنه ، فترك ذلك لغيره ، ولما فيه أيضا من الحيعلة للصلاة ، فلو أذن هو لم يحل لأحد يسمعه يقول حي على الصلاة أن يتخلف عنها على أي حال كان ، ولو تخلف عنها لكان عاصيا ، كيف وهو يقول للضرير البصر واعتذر له بذلك وبالمطر والسيل وسأله الرخصة ، فقال : تسمع حي على الصلاة ؟ قال : نعم . قال : لا أجد لك رخصة . والمؤذن غير النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فكيف أن لو كان هو المؤذن ، فترك ذلك تخفيفا عن أمته لأنه كان يكره ما شقّ عليهم ، وقد وصفه اللّه تعالى بذلك في قوله تعالى : عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [ التوبة : 128 ] وقد فعل ذلك في أشياء كثيرة مثل : السواك الذي قال فيه : لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك . وقال في الغزو : لولا أن أشقّ على أمتي لأحببت أن لا أتخلف عن سرية تخرج في سبيل اللّه . الحديث . وقال في زمزم لبني عبد المطلب : لولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم . وكم له من مثل هذا وكم . صلى اللّه عليه وسلم وشرف وكرم . قلت : قد اختلف هؤلاء في الأفضل منهما ، وهذان أمران قد يمكن الجمع بينهما ، وإذا نزل الائتلاف زال الاختلاف . فيقال للمؤذن : أمّ ، وللإمام : أذّن يا ابن أم . وحصلا ذا الفضل وحوزاه واستبقا إليه وأحرزاه . وإذا أمكن الجمع بين الخيرين فاصنعاه . ومتى تفرق الفعل فاجمعاه . وقد قلت في هذا المعنى شعرا فاسمعاه :