يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
106
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
ذكر أبو بكر الخرائطي رحمه اللّه في كتاب اعتلال القلوب قال : كانت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل عند الزبير بن العوام رضي اللّه عنهما فاستأذنته في الخروج إلى المسجد . فشق عليه ذلك وكره أن يمنعها ، فأذن لها ثم انكمن لها في موضع مظلم من الطريق ، فلما مرت عليه وضع يده على بعض جسدها فكرّت راجعة ، وسبقها الزبير إلى الدار ، فلما دخلت عليه تسبح قال لها : ما ردّك عن وجهك ؟ قالت : كنا نخرج والناس ناس وأما اليوم فلا . وتركت طلب المسجد . قلت : هذا ما فعل سيدنا الزبير في الخروج إلى المسجد لا غير . ولا شك أنها خرجت مستكينة عليها السكينة ، باكية حزينة عطلاء من الزينة . كيف لو رأى رضي اللّه عنه خروجهن اليوم ؟ متبرجات متفلجات محتفلات غير تفلات ، تشاهد إحداهن الأعراس والحمامات ، وتساعد جارتها في مأتم حميمها إذا مات ، لا تقعد عن ترح ، ولا تبعد عن فرح . وأما في الأعياد فالكلام فيه مزداد ، وفيه أريق المداد ، وقد فهمت الكلام يا غلام ، وعلى رسول اللّه الصلاة والسلام ، ثم : لا حسبة عند الزوج ولا غيره ، ولا خشية أن ترى في طريقها غيره ، فتعلقه وتهواه فتقع في مهواه ، وأن تبغض الأول وتفركه وتنهض إلى الآخر ولا تتركه ، ولو منعها المسكين من الخروج رأسا لم أر عليه إذا خاف ذلك بأسا ، وإذا سمح لها بالخروج من الدار ، فليأمرها بلبس الأطمار ، فلعلها تقدر فلا تنظر ، ولعل هذا المعنى المبارك أراد عبد اللّه بن المبارك رضي اللّه عنه حيث قال : أكره اليوم خروج النساء في العيدين ، فإن أبت المرأة إلا الخروج فليأذن لها زوجها أن تخرج في أطمارها ولا تتزين ، فإن أبت أن تخرج كذلك فللزوج أن يمنعها من الخروج . قال أبو عمر بن عبد البر رحمه اللّه : كانت عاتكة هذه تحت عبد اللّه بن أبي بكر الصدّيق رضي اللّه عنهم ، وأحبها حبا شديدا حتى غلبته على رأيه ، وشغلته عن سوقه ، ثم إن أبا بكر اجتاز عليه ساعة الرواح إلى الجمعة ، وناداه بالصلاة ، فشغل بها حتى فاتته صلاة الجمعة مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فعزم عليه أبو بكر حتى فارقها ، ثم سمعه يقول : فلم أر مثلي طلّق اليوم مثلها * ولا مثلها في غير جرم تطلّق أعاتك لا أنساك ما هبت العصا * رخاء وما ناح الحمام المطوّق في أبيات . فرقّ له وأمره بمراجعتها . فلما قتل عنها في حصار الطائف تزوجها زيد بن الخطاب ، على اختلاف في ذلك . فقتل عنها يوم اليمامة ، ثم تزوجها عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، وهي ابنة عمه ، فلما قتل عنها تزوجها الزبير ، فلما قتل خطبها