يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

63

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

رضيت عنه فقلت بأحسن ما علمت وسخطت فقلت بأسوأ ما علمت ، فحينئذ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إن من البيان لسحرا . وقد فسر ابن عبد ربه البيان فقال : البيان كل شيء كشف لك قناع المعنى الخفي حتى يتأدى إلى الفهم ويتقبله العقل ، فذلك البيان الذي ذكره اللّه في كتابه ومنّ به على عباده ، فقال : الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ [ الرحمن : 1 - 4 ] . وقالوا : الروح عماد البدن ، والعلم عماد الروح ، والبيان عماد العلم . فصل : [ رجع الكلام إلى الشعر . قلت : قد تقدّم : إن من البيان لسحرا ، وقول ثابت . . . ] رجع الكلام إلى الشعر . قلت : قد تقدّم : إن من البيان لسحرا ، وقول ثابت رحمه اللّه : إنه القول الذي يغلب على القلوب بمحبته ويسبيها بحلاوته ، فكان هذا القول إلى الذم أقرب منه إلى المدح ، والدليل على ذلك أنّ اللّه سماه فسادا ، فقال بعد قوله : إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [ يونس : 81 ] . وقد تقدّم قولهم : السحر الحلال ، فلو لا أنه حرام ما خصّه إذا كان صلاحا بالحلال . وأما الحرام فهو الذي يسوق الكلام المسجع المطبوع في معرض الرد على المخاطب كأنه علم متبع أو سنة معمول بها ، كما قال الذي كلف أن يغرم دية الجنين الذي سقط من ضربته . كيف أغرم ما لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل ، ومثل ذلك بطل ، ويروى يطل ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم حين سمعه : إنما هذا من إخوان الكهان . قال الراوي : من أجل سجعه الذي سجع . ومثله الرجل العابدي من بني عابد حين جاء إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يطلب دية ابنه وكان قد قتله رجل أعتق سائبة ، فقال عمر رضي اللّه عنه : لا دية له ، فقال العابدي : أرأيت لو قتله ابني ؟ فقال عمر : إذا تخرجوا ديته ، فقال العابدي : هو إذا كالأرقم إن يترك يلقم وإن يقتل ينقم . خرجه مالك رحمه اللّه في الموطأ . فهذا العابدي قد سجع بباطل ليردّ به حقا وهذا هو المكروه من البلاغة التي قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قائلها على هذا النحو : إن اللّه ليبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها ، وقال في ضده : ثلاث يبغض بهن العبد في الدنيا ويدرك بها في الآخرة ما هو أعظم من ذلك : الرحم والحياء وعيّ اللسان ، خرجه ثابت ، وفسر الرحم بالرحمة ، وجاء في القرآن : وَأَقْرَبَ رُحْماً [ الكهف : 81 ] فسّر برّا ومرحمة . قال الشاعر : أحنى وأرحم من أم بولدتها * رحما وأشجع من ذي لبوة ضاري