يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

580

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

أبا سفيان خذ من هذا الحجر من ها هنا فضعه ها هنا فقال : واللّه لا أفعل ، فقال عمر : واللّه لتفعلن ، فقال : لا أفعل ، فعلاه عمر بالدرّة وقال : خذه لا أم لك فضعه ها هنا فإنك ما علمت قديم الظلم ، فأخذ أبو سفيان الحجر ووضعه حيث قال عمر . ثم إن عمر استقبل القبلة فقال : اللهم لك الحد إذ لم تمتني حتى غلبت أبا سفيان على رأيه ، وأذللته بالإسلام ، فاستقبل أبو سفيان القبلة وقال : اللهم لك الحمد إذ لم تمتني حتى جعلت في قلبي من الإسلام ما ذللت به لعمر . وخرج الترمذي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعن الحارث بن هشام وأبا سفيان ابن حرب وصفوان بن أمية ، فأنزل اللّه عز وجل : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [ آل عمران : 128 ] الآية ، قال : فتابوا بعد وحسن إسلامهم ، وهاجر الحارث بن هشام إلى الشام ، فلم يزل بها جاهدا مجاهدا حتى استشهد هنالك رضي اللّه عنه ، والعذر لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في لعنة القوم المذكورين ؛ أن اللّه علم منهم ما لم يعلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلما نهاه انتهى . وأيضا فإنه عليه الصلاة والسلام قال : إني اشترطت على ربي عز وجل فقلت : إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر ، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة . وفي حديث آخر : فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له زكاة ورحمة . والحارث بن هشام هذا هو الذي اعتذر من فراره يوم بدر ، وقال : القوم أعلم ما تركت قتالهم * حتى علوا فرسي بأشفر مزبد وعرفت أني إن أقاتل واحدا * أقتل ولا ينكي عدوي مشهدي فصددت عنهم والأحبة فيهم * طمعا لهم بعقاب يوم مفسد يقال : إنه لم يقل في الفرار أحسن من هذا ، وأنشد ذلك بعض الأكاسرة ، فلما فسر له قال : قاتل اللّه العرب حسنوا بشعرهم كل شيء حتى الفرار ، أو كما قال . وممن اعتذر من فراره أيضا : هبيرة بن أبي وهب زوج أم هانئ أخت علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهما ، هرب يوم فتح مكة إلى نجران وقال :