يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

506

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

وأنت تعني اعتراضك بجسدك ، خرّجه أبو عبيد رحمه اللّه . وكما يروى أن أحد الفضلاء اضطره بعض الملوك إلى أكل طعامه وكان لا يرضاه ، فقال له : أصلحك اللّه ، الصائم لا يأكل ، صدق في قوله وأخفى فطره فيه . وكان بعضهم يقول لأهله : إذا طلبت في الدار فقولوا : اطلبه في المسجد . وربما قيل لبعض الناس : هل عندكم نار ؟ . فيقول له : مرّ للفرن ، ولا يكذب . وكان رجال له امرأتان ، فقالت له إحداهما بحضرة الأخرى : من تحب منا أكثر ؟ فقال : لا أقول لكما الآن شيئا ، ثم اشترى رأسا وأكله مع إحداهما وقال لها : لا تعلمي بذلك ضرتك ، وفعل مع الأخرى مثل ذلك ، فلما اجتمعوا بعد ذلك قالت إحداهما المقالة الأولى : لمن تحب أكثر ؟ فقال : للتي أكلت معها الرأس ، فسكتت كل واحدة منهما وقالت في نفسها : أنا . وقد صنع مثل هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما يروى عنه أنه اجتمع عنده أزواجه ذات يوم ، وقلن : يا رسول اللّه أيتنا أحبّ إليك ؟ فوعدهن الغداة ، ثم أعطى لكل واحدة منهن خاتما من غير أن يعلم غيرها ، ثم قال لهن : بالغداة اجتمعن ، فلما اجتمعن قال : صاحبة الخاتم أحبّ إليّ . ويروى عن شريح أنه دخل على زياد في مرضه ، فلما خرج من عنده قيل له : كيف تركت الأمير ؟ قال : تركته يأمر وينهى ، فذكر ذلك لمسروق فقال : إن شريحا صاحب تعريض فاسألوه ما معناه ؟ فسئل قال : تركته يأمر بالوصية وينهى عن البكاء . فصل : في السعاية وقلة الرعاية : سعى بعض الناس إلى بعض الولاة برجل ، فقال له : من حدّثك بذلك ؟ قال : الثقة ، قال : إن الثقة لا يبلغ . وقال الشاعر : إذا الواشي سعى يوما صديقا * فلا تدع الصديق لقول الواشي أتى رجل الوليد بن عبد الملك وهو على دمشق لأبيه ، فقال لأمير : عندي نصيحة ، فقال : إن كانت لنا فأظهرها ، وإن كانت لغيرنا فلا حاجة لنا فيها ، قال : جار لي عصى من بعثته ، قال : أما أنت فتخبر أنك جار سوء ، فإن شئت أرسلنا معك ، فإن كنت صادقا أقضيناك ، وإن كنت كاذبا عاقبناك ، وإن شئت تاركناك ، قال : بلى تاركني ، قال : قد فعلت . وسأل رجل عبد الملك بن مروان الخلوة ، فقال لأصحابه : إذا شئتم ، فلما تهيأ الرجل للكلام قال له عبد الملك : على رسلك ، إياك أن تمدحني فأنا أعلم بنفسي منك ، أو تكذبني فإنه لا رأي للكذوب ، أو تسعى بأحد إليّ ، وإن شئت أقلتك ، قال : أقلني ،