يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

501

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

الدراج الضبابي ؟ وذكر البيتين ، ثم قال : واللّه ما بكائي جزعا من العزل ، ولا أسفا على الولاية ، غير أني أخاف أن يلي هذه الوجوه من لا يرعى لها حقا . قلت : هذا واللّه هو الوفاء لا الجفاء ، وعلى الناكث العفاء واللفاء ، إن الحجاج على ما كان عليه من قلة الحياء وكثرة سفك الدماء ؛ قد كان ينفع عنده الصدق أحيانا ، فيعقب الإساءة إحسانا . قال المدايني : حبس الحجاج رجلا في مائة ألف ، فأخذ فأتي به إليه ، فقال لقتيبة : احتفظ به ليلتك ثم بكر به عليّ ، فانصرف به قتيبة إلى منزله ، فأحضر له العشاء ، فامتنع منه ، فقال له قتيبة : ما لك لا تتعشى ؟ قال : للذي في صدري أصلحك اللّه من البلبال ، ، الذي أشفيت عليه من الهلكة ، وإن أخا لي هلك وأوصى إليّ ، فلست آمن على تركته الضياع ، وأنا محتاج إلى أن أوصي فيها ، قال له قتيبة : لو كان لك من يضمنك لتركتك تأتي منزلك وتحكم أمرك ، قال : اللّه كفيلي ، قال قتيبة : كفى باللّه كفيلا ، انطلق . فانطلف الرجل ، وخشي قتيبة أن يؤخذ به ، فجعل لا يتقارّ ليله حتى أصبح ، فأتاه الرجل مصبحا ، فقال له قتيبة : ما الذي خلفك إلى هذا الوقت ؟ قال : التجهز للموت أخرني ، فركب قتيبة إلى الحجاج وانطلق به معه ، فلما رآه الحجاج قال : أين صاحبك ؟ قال : قد جئت به أيها الأمير ، وأخبره خبره ، فقال له الحجاج : فإني قد وهبته لك ، فخرج إليه قتيبة ، فقال له : إن الأمير قد وهبك لي ، وقد وهبتك للّه عز وجل ، فقال الرجل : نعم القادر اللّه ، ولم يزد عليها ، وانطلق إلى المسجد فصلى ركعتين ، ثم أقبل إلى قتيبة فقال له قتيبة : قد أعلمتك أني قد مننت عليك وأعتقتك فلم تشكرني الشكر الذي يشبه ما كان مني ، فقال : أحببت أن أبدأ بشكر اللّه تعالى فأخلصه ولا أشرك به أحدا ، فقلت ما سمعت ودخلت المسجد فصليت ركعتين ، وحمدت أمرك إلى اللّه عز وجل . فكتب قتيبة على خاتمه من يومئذ : نعم القادر اللّه . وشيبه بهذا الخبر ما يحكى أن ملكا من الملوك كان له يوم بؤس ، إذا خرج فيه ولقي أحدا على صورة يكرهها ؛ حبسه أياما معلومة ثم أمر بضرب عنقه ، فخرج يوما من تلك الأيام فلقي رجلا غريبا قاصيا لم يكن عنده علم بشأنه على الصفة التي كان ينكرها ، فأمر بحبسه ، وأعلم الرجل بالأمر ، فحمد اللّه وسلم للقدر ، فلما قرب الأمر كتب إلى الملك يرغبه في تخلية سبيله ليودع أهله ويوصي في ماله ، فأحضره وقال له : هذا أمر لا يكون إلا بضامن آخذه بما أطلبك به ، فنظر الرجل في الحاضرين يمينا وشمالا ثم مدّ يده إلى رجل منهم وقال : هذا يضمنني ، فقال الملك : أتضمنه وقد عرفت ما يراد به ؟ قال : نعم ، فأمر بحبسه مكانه ، ونهض المضمون إلى بلده ، فأوصى في