يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

487

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

وعوّدته أن أتفضّل على عباده ، فأخاف إن قطعت أن يقطع ، وهو الذي أنشد له : إن الصنيعة لا تكون صنيعة * حتى يصاب بها طريق المصنع فقال : إن هذا ليبخل الناس ، ولكن أمطروا المعروف مطرا ، فإن أصاب الكرام كانوا له أهلا ، وإن أصاب اللئام كنتم له أهلا . وقال الفضل بن سهل : إذا لم أعط إلا مستحقا فكأني إنما أعطيت غريما . ومن السخاء ما روى أبو هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : السخي قريب من اللّه قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار ، والبخيل بعيد من اللّه بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار ، ولجاهل سخي أحبّ إلى اللّه من عالم بخيل . ومن جود عبد اللّه بن أبي بكرة رضي اللّه عنه أن رجلا أدلى إليه بحرمة ، فأمر له بمائة ألف درهم . ومن جود عبد اللّه بن يعمر رضي اللّه عنه أن رجلا من أهل البصرة كانت له جارية وصف من حسنها وأدبها شيئا كثيرا ، وأنه أملق فاحتاج إلى بيع الجارية بعد أن استأذنها في ذلك واعتذر إليها ، وكان لها محبا وهي له كذلك ، فأشارت إليه أن يهديها لابن يعمر ، بعد أن أصلحت من شأنها ، ففعل وأوقفها بين يديه وقال له : أصلحك اللّه هذه جارية ربيتها ورضيت لك أدبها فاقبلها مني هدية ، فقال : مثلي لا يستهدى مثلك فهل لك في بيعها فأجزل لك الثمن فيها حتى ترضاه ؟ قال : الذي ترضاه ، قال : يقنعك مني عشر بدر ، في كل بدرة عشرة آلاف درهم ؟ فقال : يا سيدي واللّه ما امتدّ أملي إلى عشر ما ذكرت ، ولكن هذا من فضلك المعروف وجودك المشهور . فأمر عبد اللّه بإخراج المال حتى صار بين يدي الرجل وقبضه ، وقال للجارية : ادخلي الحجاب ، فقال سيدها : أعزك اللّه لو أذنت لي في وداعها ، قال : نعم ، فوقفت وقام وقال لها وعيناه تدمعان : أبوح بحزن من فراقك موجع * أقاسي به ليلا يطيل تفكري ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن * يفرقنا شيء سوى الموت فاعذري عليك سلام لا زيارة بيننا * ولا وصل إلا أن يشاء ابن يعمر فقال عبد اللّه بن يعمر : قد شئت ذلك ، فخذ بيد جاريتك وبارك اللّه لك في المال ، فذهب بجاريته والمال وعاد غنيا . ومن الأجواد من غير من ذكر : أبو مرثد ، مدحه بعض الشعراء فقال : واللّه ما عندي ما أعطيك ، ولكن قدّمني إلى القاضي وادّع عليّ بعشرة آلاف درهم حتى أقرّ لك بها فتحبسني على دينك ، فإن أهلي لا يتركونني محبوسا ، ففعل ، فلم يمس حتى دفع