يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
471
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
فقسمه سبعة كسر ، وجعل على كل جزء كسرة ، ثم أقرع بينهم أيهم يأخذ أوّلا . وفضائله رضي اللّه عنه لا تحصى ، ومن يعد الحصى ؟ وجوده وكرمه أكثر من أن يعدّ ، وفضله أكبر من أن يحدّ ، فمن جوده وفضله أنه عمل خصلتين لم يعملهما أحد قبله : إحداهما أنه لما أنزل اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً [ المجادلة : 12 ] أشفق المسلمون من ذلك وشق عليهم لضعف مقدرة كثير منهم عن الصدقة ، فعمد علي رضي اللّه عنه فتصدّق بدينار وناجى الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ثم رحم اللّه المسلمين ونسخ ذلك عنهم بقوله تعالى : أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ [ المجادلة : 13 ] ، فهذه آية نسخها العلي ولم يعمل بها غير علي رضي اللّه عنه . وكان سبب نزول الآية أن المسلمين كانوا يكثرون المسائل على النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى شقوا عليه ، فأراد اللّه التخفيف عنه ، فكف كثير من الناس ، ثم وسع اللّه عليهم بالآية التي بعدها ، قاله ابن عباس . وقيل : نزلت بسبب أن المنافقين واليهود كانوا يناجون النبي عليه الصلاة والسلام ويقولون : إنه أذن يسمع كل ما قيل له ، وكان لا يمنع أحدا من مناجاته ، فكان ذلك يشق على المسلمين ، فلما أنزل اللّه ذلك انتهى أهل الباطل عن النجوى ، لأنهم لم يقدّموا بين يدي نجواهم صدقة ، وشق ذلك على المسلمين لضعف مقدرتهم كما تقدّم ، فخفف اللّه عنهم بالآية الناسخة ، واللّه أعلم . والخصلة الأخرى التي لعلي وحده رضي اللّه عنه أنه أعطى مسكينا خاتما من فضة وهو رضي اللّه عنه راكع ، فأنزل اللّه تعالى في ذلك : الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ [ المائدة : 55 ] ، قال مجاهد والسدي رضي اللّه عن جميعهم : قيل خرج النبي صلى اللّه عليه وسلم ومسكين يسأل في المسجد ، فسأله عليه الصلاة والسلام : هل أعطاك أحد شيئا ؟ قال : نعم ، قال : ماذا ؟ قال : خاتم من فضة ، قال : من أعطاكه ؟ قال : ذلك الرجل القائم ، فإذا هو علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، فكبّر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند ذلك ، ونزلت الآية بدأت بذكر الأربعة الخلفاء الكرام الشرفاء الذين قال فيهم الشاعر ذو الوفاء : خيار الناس بعد المص * طفى المفضال ذو اللسن أبو بكر أبو حفص * أبو عمرو أبو الحسن رضي اللّه عن جميعهم . وقد تقدّم حديث عبد الرحمن بن عوف والزبير وما أنفقا في وجوه البر وسبل الخير ، ومنهم من جاد بأكثر من المال ، وهي النفس التي لها