يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
45
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
أهل الآفاق إلا وله تعاليق وأوراق تحتوي على حكايات وأشعار ورسائل وأخبار . وهذه الملح هي حلية الكتاب وزينة أهل الآداب وفاكهة أولي الألباب من أهل هذا الباب ، تنشط الكسلان وتوقظ الوسنان وتبعث الطالب على الزيادة إلى أن يلحق بالسادة . وقال الأصمعي : توصلت بالملح ونلت بالغريب . وقرأت على الحافظ رحمه اللّه قال : سمعت أبا الحسين المبارك بن عبد الجبار الطيوري ببغداد وقرأنا عليه جزءا من حكايات أبي عمرو بن حيوية الخراز يرويه عن أبي الحسن علي بن عمر القزويني الزاهد وفيه ملح ومضاحك ، فوضع يده على وجهه وتبسم وقال : لا يسعني إلا الرواية فقد رواه إليّ أزهد خلق اللّه أبو الحسن القزويني رحمه اللّه ، ثم ساق من فضائل أبي الحسن هذا ، قال : سمعت أبا محمد جعفر بن محمد بن الحسين بن السراج النحوي ببغداد يقول : رأيت على أبي الحسن القزويني الزاهد ثوبا رفيعا لينا ، فخطر ببالي كيف مثله في زهده يلبس مثل هذا ، فقال في الحال بعد أن نظر إليّ : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ [ الأعراف : 32 ] . قال : وحضرنا عنده يوما لقراءة الحديث فتمادى بنا الوقت إلى أن وصلت إلينا الشمس وتأذينا بحرّها ، فقلت في نفسي : لو تحرّك الشيخ إلى الظل ، فقال واللّه في الحال : قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ [ التوبة : 81 ] . وقد كان أبو الدرداء رضي اللّه عنه يقول : إني لأستجم نفسي ببعض اللهو ليكون ذلك عونا لي على الحق . وعن علي رضي اللّه عنه : سلوا هذه النفوس ساعة بعد ساعة ، فإنها تصدأ كما يصدأ الحديد . وقال أيضا : إن القلب إذا أكره عمي . وكان ابن عباس رضي اللّه عنه يقول إذا أفاض من عنده في الحديث بعد القرآن والتفسير : أحمضوا ، أي : إذا مللتم من الفقه والحديث وعلم القرآن فخذوا في الأشعار وأخبار العرب ، كما أن الإبل إذا ملت ماحلا من النبت رعت الحمض ، وهو ما ملح منه . ومنه قول الزهري : هاتوا من أشعاركم فإن الأذن مجاجة والنفس حمضة ، أي : إنها تشتهي الشيء بعد الشيء كما تفعل الإبل . وسيأتي تفسير الحمض في باب النون بأكثر من هذا إن شاء اللّه تعالى . وقال بعض الحكماء : إن للآذان مجة وللقلوب مللا ففرقوا بين الحكمتين ليكون ذلك استجماما . ذكر هذه الأخبار الفقيه القاضي أبو الفضل عياض رحمه اللّه في كتابه الذي سماه كتاب بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد ، قال : وفي الحديث من الفقه التحدث بملح الأخبار وطرف الحكايات ، تسلية للنفس وجلاء للقلوب .