يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

409

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

الكلب الأسود يقطع الصلاة ، وفي نفسي من المرأة والحمار شيء . وقال إسحاق : لا يقطعها إلا الكلب الأسود . قلت : وقد تكلم العلماء في معنى قطع الصلاة ، فذهب الشافعي أنه يفسدها ، وكذلك رأيت المؤذن بمكة شرفها اللّه إذا أراد أن يقيم الصلاة وقف قبل ذلك بإزاء الطائفين حول البيت وقال : خففن يا نسوة ، يقول ذلك مرارا ، فإذا سمعنه استعجلن وقضين طوافهن ، وحينئذ يأخذ في الإقامة ، وما دام يصلي الإمام لا تطوف امرأة . ومذهب مالك وغيره من الأئمة أن معناه : يقطع خاطر المصلي أو يشغله ذلك عن الصلاة . وأما قطع تبتدأ به الصلاة فلا . وفي الموطأ من قول مالك : لا يقطع الصلاة شيء مما يمر بين يدي المصلي . وسئل سعيد بن المسيب رضي اللّه عنه : ما يقطع الصلاة ؟ فقال : الفجور ، ويسترها التقوى . فهذه جملة في الكلاب . وقال الشاعر : كلاب الناس إن فكرت فيهم * أضر عليك من كلب الكلاب لأن الكلب تخسأه فيخسا * وكلب الناس يربض للعتاب وإن الكلب لا يؤذي جليسا * وأنت الدهر من ذا في عذاب وهذا الكتاب فيه من هذا النوع كثير ، وفيه حكايات حسان وأشعار وأحاديث منها : عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه رأى أعرابيا يسوق كلبا ، فقال له : ما هذا معك ؟ فقال : يا أمير المؤمنين نعم الصاحب إن أعطيته شكر ، وإن منعته صبر ، وإن استنصرته نصر ، فقال له عمر : نعم الصاحب فاستمسك به . ورأى ابن عمر أعرابيا معه كلب ، فسأل عنه فقال : يشكر بري ويستر سري ، فقال له ابن عمر : احتفظ بصاحبك . وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما : كلب أمين خير من إنسان خائن . ومن حكايته أن أبا عبيدة أنشد لبعض الشعراء : يعرّج عنه جاره وصديقه * وينبش عنه كلبه وهو ضاربه ثم قال أبو عبيدة : قيل هذا الشعر في رجل من أهل البصرة خرج إلى الجبانة ينتظر ركابه ، فاتبعه كلبه فضربه وطرده ، وكره أن يتبعه ورماه بحجر فأدماه ، فأبى الكلب إلا أن يذهب معه ، فلما كان في بعض الطريق والكلب رابض قريبا منه إذ أتاه أعداء له يطلبونه ، وكان معه جار له وأخوه قال : فأسلماه وهربا عنه وتركاه ، فجرح الرجل جراحات كثيرة ورمى به في بئر غير بعيدة القعر وحثوا عليه التراب حتى غطوا رأسه ، والكلب مع هذا يهرّ عليهم وينبح ، وهم يرجمونه ، ثم انصرفوا وهم لا يشكون في قتله ، فأتى الكلب إلى رأس البئر ، فلم يزل يعوي ويبحث التراب بيديه ومخالبه حتى ظهر