يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

391

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

جسده حتى تقطعت أوصاله ، فلما أهلكه اللّه ردّ الحجر إلى مكانه بعد مدّة طويلة ، ذكر بعد اثنتين وعشرين سنة غير أربعة أيام ، والحمد للّه على كل حال . ورأيت في بعض التواريخ أن الذي ردّه إلى مكانه شنبر بن الحسن بن شنبر القرمطي ، ولد صاحب البحرين رئيس القرامطة . وحج شنبر هذا مع الناس ، وقد نال المدينة شرفها اللّه نوع من هذه الوقيعة قبل هذا ، وذلك يوم الحرّة أيام يزيد بن معاوية على يد مسلم بن عقبة المري ، الذي تسميه أهل المدينة مسرف بن عقبة ، سنة ثلاث وستين ، قتل فيها من وجوه المهاجرين والأنصار ألفا وسبعمائة ، وقتل من أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان ، وانتهب المدينة ، ودخل على امرأة من الأنصار رجل من أهل الشام وهي ترضع صبيها ، وقد كان أخذ ما عندها فقال لها : هات الذهب وإلا قتلتك وصبيك ، فقالت : ويحك إن قتلته فأبوه أبو كبشة صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأنا من النسوة اللاتي بايعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وما خنت اللّه في شيء بايعت عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فانتفض الصبي من حجرها وثديها في فيه ، وضرب به الحائط حتى انتثر دماغه في الأرض ، والمرأة تقول : يا بني لو كان عندي شيء أفديك به لفديتك ، فما خرج من البيت حتى اسودّ نصف وجهه ، وسار مثلة في الناس . وكان سبب هذه الفتنة أن أهل المدينة خلعوا يزيد بن معاوية وأخرجوا مروان بن الحكم وبني أمية ، وأمروا عليهم عبد اللّه بن حنظلة بن الغسيل الذي غسلت أباه الملائكة يوم أحد ، ولم يوافق أهل المدينة على هذا الخلع أحد من أكابر أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولزموا بيوتهم مثل عبد اللّه بن عمر وأهله ، وجابر بن عبد اللّه ، وأبي سعيد الخدري ، رضوان اللّه عليهم ، ودخلوا على أبي سعيد بيته ، فقيل له : من أنت أيها الشيخ ؟ فقال : أبو سعيد الخدري صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقالوا له : قد سمعنا خبرك ونعم ما فعلت حين كففت يدك ولزمت بيتك ، ولكن هات المال ، فقال : قد أخذه الذين دخلوا قبلكم عليّ ، وما عندي شيء ، فقالوا : كذبت ، ونتفوا لحيته وأخذوا ما وجدوا حتى صوف الفراش وحتى زوجين من الحمام كانا في البيت ، وقد كان يزيد بن معاوية قد أعذر إليهم فيما ذكروا وبذل إليهم من العطاء أضعاف ما يعطي الناس ، واجتهدوا في استمالتهم إلى الطاعة ، وتحذيرهم من الخلاف ، ولكن أبى اللّه إلا ما أراد ، واللّه يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون . ولتظهر أيضا معجزة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فه يروى أنه وقف يوما بتلك الحرّة وقال : ليقتلن بهذا المكان رجال هم خيار أمتي بعد أصحابي . ويذكر عن