يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
386
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
ذكر الكعبة : وجاء في الحديث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لعائشة رضي اللّه عنها : لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس إبراهيم ، فإنّ قريشا حين بنت الكعبة استقصرت وجعلت لها خلفا . وفي حديث آخر : وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا . خرّج هذا مسلم . وقال البخاري : قال أبو معاوية عن هشام : وجعلت لها خلفا ، يعني بابا ، كذا فسره في الحديث . وقال حماد بن سلمة عن هشام : ولجعلت لها خلفين . وفي رواية : وألصقت بابها بالأرض وأدخلت فيها الحجر ، أو كما قال عليه الصلاة والسلام . فلما كان ابن الزبير وحدّثته خالته عائشة رضي اللّه عنه هذا الحديث قال : ليس بنا اليوم عجز عن النفقة ، فبناها على مقتضى حديث عائشة رضي اللّه عنها ، ووافق ذلك أنها احترقت في عهده ، يقال : طارت شرارة من أبي قبيس فوقعت في أستارها فاحترقت . ويقال : إن امرأة أرادت أن تجمرها فطارت شرارة من المجمرة في أستارها فاحترقت ، فشاور ابن الزبير في هدمها من حضره ، فهابوا هدمها وقالوا : نرى أن تصلح ما وهي ولا تهدم ، فقال : لو أن بيت أحدكم احترق لم يرض له إلا بأكمل صلاح ، ولا يكمل إصلاحها إلا بهدمها ، فهدمها حتى أفضى إلى قواعد إبراهيم عليه السلام ، فأمرهم أن يزيدوا في الحفر ، فحركوا حجرا منها فرأوا تحته نارا وهولا أفزعهم ، فأمرهم أن يقرّوا القواعد وأن يبنوا من حيث انتهى الحفر . وفي الخبر أنه سترها حين وصل إلى القواعد فطاف الناس بتلك الأستار ، فلم تخل قط من طائف ، حتى لقد ذكر أن يوم قتل ابن الزبير اشتدت الحرب واشتغل الناس فلم ير طائف يطوف بالكعبة إلا جمل يطوف بها ، فلما استتم بنيانها ألصق بابها بالأرض وعمل خلفا ، أي : بابا آخر من ورائها وأدخل الحجر فيها ، فلما قام عبد الملك بن مروان قال : لسنا من تخليط أبي خبيب في شيء ، فهدمها وبناها على ما كانت عليه في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلما فرغ من بنائها جاءه الحارث ابن أبي ربيعة المعروف بالقباع ، وهو أخو عمرو بن أبي ربيعة الشاعر ، ومعه رجل آخر ، فحدّثاه عن عائشة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم بالحديث المتقدّم ، فندم وجعل ينكت الأرض بمخصرة في يده ويقول : وددت أني تركت أبا خبيب ، وما تحمل من ذلك . قال أبو يوسف ابن الشيخ : وأما أنا فدخلت يوما تحت أستار الكعبة شرفها اللّه من جهة الغرب فرأيت أثر الباب في الحائط قد أغلق وأحكم إلصاقه بالكذان المنحوت ، حتى كاد يخفى على من أبصره وهو مقابل الباب الشرقي وعلى قدره ، إلا أنه ينتهي شقه إلى الأرض ، وما يظهر منه إلا قدر غلظ الخيط من أثر الباب القديم على