يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
38
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
صلى اللّه عليه وسلم قال : رحم اللّه امرأ تكلم فسلم أو سكت فغنم . فإذا سلم الإنسان من الجهل وتكلم بالخير فلا شك أنه أفضل من الساكت . وقال بعض من فضل الكلام على السكوت : لم ترو الرواة سكوت الصامتين كما روت كلام الناطقين ، وبالكلام أرسل اللّه أنبياءه ، وذكر اللّه داود فقال : وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ [ ص : 20 ] . وتذاكروا في مجلس أبي مسهر الكلام وحسنه والصمت ونبله ، فقال أبو مسهر : إن النجم ليس كالقمر ، إنك تمدح السكوت بالكلام ولا تمدح الكلام بالسكوت ، وما عبر به عن شيء فهو أكبر منه . وقال بعض العلماء : ما أعلم في الدنيا شيئا من البيوع يستطاع شراؤه بالسكوت ولا وشيجة بقل ، ويستطاع شراء الجنة من رب العالمين بالكلام ، وهو ذكر اللّه وقراءة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وقال سهل بن هارون : إن اللّه رفع درجة اللسان فوق جوارح الجسد وشرّف منزلته على سائر الأعضاء ، فأنطقه بتوحيده وتمجيده ، فهو أداة يظهر بها البيان ، وناطق يردّ به الجواب ، وشافع تدرك به الحاجة ، وواصف تعرف به الأشياء ، ومعز يردّ به الحزن ، ومؤنس يذهب بالوحشة ، وواعظ ينهى عن القبيح ، ومزين يدعو إلى الحسن ، وزارع يحرث المودّة ، وحاسد يذهب بالضغينة ، ومفصاح بمعالي الأمور ، ودليل على ما بطن في القلوب ، ومخبر عما بطن من الأخبار ، إن سألته أوضح ، وإن استنطقته أفصح ، وهو رسول العقل إلى السامعين وأداته التي تجمع بين مفترق الحكم . وقال غيره : لسان المرء أنجح شفعائه وأنفذ سلاحه على أعدائه وشاهد العقل ودليله . قلت : هذا كله على استقامته وسداده ، وأما إرساله في الفضول وفيما لا يصلح فالعي خير منه والسكوت أسلم لا محالة ، نعم والسكوت للجهال ستر ، قال الشاعر : وفي الصمت ستر للعيي وإنما * صحيفة لب المرء أن يتكلما وقال آخر : إذا أنت لم تنطق بحق ولم تقل * صوابا فعن عيّ لسانك فاستر وقال طرفة : وإنّ لسان المرء ما لم تكن له * حصاة على عوراته لدليل وقال آخر : لسان المرء ينبي عن حجاه * وعي المرء يستره السكوت وقال أبو العتاهية : الصمت أجمل بالفتى * من منطق في غير حينه