يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

379

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

إنما أنا رجل منكم ، وإنما ملكت وعززت بمكانكم وبما يتخوّف من ناحيتكم ، وليس شيء أحبّ إليّ مما سدّد اللّه به أمركم وأصلح به شأنكم ، والرأي أن تسيروا بجماعتكم أيها الرهط وتنطلقوا بكتابي هذا إلى باب كسرى ، فإذا دخلتم عليه نطق كل واحد منكم بما حضره ، ليعلم أن العرب على غير ما ظنّ أو حدّثته به نفسه ، ووصاهم بوصايا وكتب لهم كتابا سماهم فيه واحدا بعد واحد ، بعد أن اعتذر إليهم في تقدمة بعضهم على بعض ، وقال : إنما فعلت ذلك لعلمي بحرص كل رجل منكم على التقدّم قبل صاحبه في الكلام ، فلا يكونن ذلك ، فيجد في آدابكم مطعنا ، فإنه ملك مترف وقادر مسلط ، ثم دعا لهم بما في خزائنه من طرف حلل الملوك ، فكسا كل واحد منهم حلة ، وعممه بعمامة ، وختمه بياقوتة ، وأعطاه نجيبة مهرية وفرسا يجنب معه ، وكتب في كتابه : أما بعد فإن الملك ألقى إليّ من أمر العرب ما قد علم ، وقد أوفدت إليك أيها الملك رهطا من العرب ، فليسمع الملك منهم ، وليغض عن جفاء إن ظهر من منطقهم ، وليكرمني بإكرامهم ويعجل سراحهم ، فلما قدموا على كسرى أذن لهم بالكلام ، فتكلم كل واحد منهم بما قد كتب ودوّن ، واتخذ أصلا حسبما هو مذكور في العقد ، فعجب كسرى من بلاغتهم وخطابتهم ، وربما كان في بعضها قوّة وجفاء ، فقال لهم آخر ذلك كله : قد قبلت ما كان في منطقكم من صواب ، وصفحت عما كان فيه من غير ذلك ، فانصرفوا إلى ملككم والتزموا طاعته ، وأمر لكل واحد منهم بخمسين دينارا وحلة وصرفهم . اختصرت الخبر فهذا بعض فضل العرب . ولخلف الأحمر في فضلهم أيضا كلام كثير ، وقد تقدّم منه طرف في أوّل الكتاب ، وتقدّم أيضا قول النبي صلى اللّه عليه وسلم لسلمان رضي اللّه عنه : يا سلمان لا تبغضني ، في أخبار كثيرة من هذا المعنى ، فإذا لا يبغضهم إلا زنديق أو من حاد عن الطريق . كما يذكر عن أبي عامر بن غرسية البشكسي أنه أنشأ رسالة يفضل فيها العجم على العرب ، ظن أنه أعرب فيها وأغرب ، ففسق فيها وبدع وسب بسببها وجدع ، وردّ عليه جماعة من العلماء الفضلاء النبلاء ، أما أحدهم فافتتح الردّ عليه بقوله : وذي خطل في القول يحسب أنه * مصيب فما يهتف به فهو قائله والبيت لزهير . وممن ردّ عليه الفقيه الفاضل أبو مروان عبد الملك بن محمد الأوسي في رسالة سماها رسالة الاستدلال بالحق في تفضيل العرب على جميع الخلق والذب والانتصار لصفوة اللّه المهاجرين والأنصار . وللفقيه الأديب أبي الطيب عبد المنعم بن منّ اللّه رسالة سماها حديقة البلاغة ودوحة البراعة المونقة أفنانها المثمرة أغصانها ، بذكر