يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

29

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

علم أريد به وجه اللّه وقام صاحبه فيه بأمر اللّه فهو ناج إن شاء اللّه ، وهذا كله بعد حصول ما لا بدّ منه مما هو فرض عليه . وقال سالم بن أبي الجعد : اشتراني مولاي بثلاثمائة درهم فأعتقني ، فقلت : بأيّ حرفة أحترف ؟ فاحترفت العلم ، فما تمّت لي سنة حتى أتاني أمير المؤمنين زائرا فلم آذن له ، إن قلت : كيف هذا ؟ قيل : العلماء إذا علموا عملوا ، فإذا عملوا شغلوا ، فإذا شغلوا فقدوا ، فإذا فقدوا طلبوا ، فإذا طلبوا هربوا ، فإذا هربوا أمنوا ، فهذا مولى قد فاق بعلمه الأشراف . ومثل هذا ما روى حميد الطويل رضي اللّه عنه قال : قدم رجل من أهل البادية البصرة فاستقبله خالد بن مهران ، فقال له : يا أبا عبد اللّه أخبرني عن سيد أهل هذا المصر من هو ؟ قال : الحسن بن أبي الحسن ، قال : أعربيّ أم مولى ؟ فقال : مولى ، قال : لمن ؟ قال : للأنصار ، قال : فبم سادهم ؟ قال : احتاجوا إليه في أمر دينهم واستغنى هو عن دنياهم . فقال البدوي : كفى بهذا سؤددا . وسيأتي طرف من فضائل الحسن إن شاء اللّه تعالى . وهذه رابعة البصرية كانت أمة كبيرة يطاف بها في سوق البصرة ولا يرغب فيها أحد لكبر سنها ، فرحمها بعض التجار واشتراها بنحو مائة درهم وأعتقها ، فاختارت العلم والعمل وأقبلت على العبادة ، فما تمّت لها سنة حتى زارها زهّاد البصرة وقرّاؤها وعلماؤها لعظم شأنها . نادرة : [ وفيما أجازني شيخي أبو عبد اللّه بن الفخار رحمه اللّه بسنده . . . ] وفيما أجازني شيخي أبو عبد اللّه بن الفخار رحمه اللّه بسنده إلى عبد اللّه بن وهب قال : دخل عبد الملك بن مروان المسجد الحرام فرأى حلق العلم والذكر ، فأعجب بها ، فأشار إلى حلقة فقال : لمن هذه ؟ فقيل : لعطاء . ونظر إلى أخرى فقال : لمن هذه ؟ فقيل : لميمون ابن مهران . ونظر إلى أخرى فقال : لمن هذه ؟ فقيل : لمكحول . ونظر إلى أخرى فقال : لمن هذه ؟ فقيل : لمجاهد . وكلهم من أبناء الفرس الذين من اليمن ، فرجع إلى منزله وبعث إلى أحياء قريش فجمعهم فقال : يا معشر قريش كنا فيما قد علمتم ، فمنّ اللّه علينا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وبهذا الدين فحقرتموه ، حتى غلبكم أبناء الفرس ، فلم يردّ عليه أحد إلا علي بن الحسين ، فإنه قال : ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [ الحديد : 21 ] . ثم قال عبد الملك : ما رأيت كهذا الحيّ من الفرس ، ملكوا من أوّل الدهر فما احتاجوا إلينا ، وملكناهم فما استغنينا عنهم ساعة . فإن قلت هذا النوع الذي ذكرت قبل هذا ليس من قبيل هذا بل هو غيره ، إذ شرف كل علم بشرف معلومه .