يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
277
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
الظهار ، وبعضهم إلى الإيلاء ، وبعضهم إلى أخف من هذا ، هذا كله انظره في التحصيل . ومما قرأته على الحافظ رحمه اللّه بالإسناد المتصل إلى علقمة أن ابن مسعود رضي اللّه عنه أتي في رجل هلك وترك امرأته ولم يكن دخل بها ، قال فتردد إليه فيها شهرا لا يقول له فيها شيئا ، فقال : أقول فيها برأيي ، فإن كان صوابا فمن اللّه عز وجل وإن كان خطأ فمن نفسي . قال : أقول : لها مثل مهر نسائها وعليها العدّة ولها الميراث ، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال : قضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بروع بنت وأشق بمثل ذلك ، ففرح ابن مسعود . قلت : وهذا كله فيما لم يجئ فيه نص جليّ كما تقدّم ، وأما مع الأثر فلا يصحّ لأحد من الناس معه رأي ولا قياس . ألم تر إلى ما أخرجه البخاري رحمه اللّه من طريق أبي الزناد رضي اللّه عنه قال : إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيرا على خلاف الرأي ، فما يجد المسلمون بدا من اتباعها ، من ذلك : الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة . انتهى كلامه . قلت : وهذا الذي تقدّم كان في زمن الصحابة رضي اللّه عنهم ، وأما اليوم فليس لنا إلا اتباعهم فيما أمضوا وحكموا به وقضوا ، واستمر عليه عملهم حتى جاء أجلهم ، ولا نبتدع ولا نخترع بل نستمع ونتبع ، ولا نتخير الرخص في المذاهب بل نسلك الجادة وندع البسابس والسباسب ، وسيأتي تفسير البسابس والسباسب . ولو ألقيت بالك أيها السائب لرأيت إحدى اللفظتين عكس الأخرى ، ففخرت بالأدب فخرا ، فاجتهد إن كنت به تعنى أن تنفقه في اللفظ والمعنى ، واللّه المعين على الرشاد والهادي إلى السداد . ونرجع إلى القول الذاهب في تخيير الرخص في المذاهب ، في مثل هذا حدثني شيخي أبو الطاهر السلفي رحمه اللّه بالإسكندرية قال : سمعت والدي رحمه اللّه بمكة يقول : سمعت معمر بن أحمد العبدي بأصبهان يقول : قال متقدمو مشايخنا : الصوفي إذا تمذهب يصفع قفاه حتى يذهب ، وقد تقدّم له ولغيره من فضلاء الناس طرف في ذم القياس ، وسيأتي منه طرف أيضا في باب الميم إن شاء اللّه . قلت : ولعل ذلك الذم إنما هو فيمن يقيس برأيه في مثل زماننا هذا ويدع قول علمائنا المتقدمين ، واللّه أعلم . فصل : معاني الجد : وإذ وقع ذكر الجد فلنستقص هذه اللفظة بمبلغ الجهد : الجد أبو الأب والجد : البخت والسعد ، ومنه قول اليهودي حين رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم داخلا المدينة أوّل يوم دخلها : يا بني قيلة هذا جدّكم قد جاء ، أي سعدكم ، يقال : رجل ذو جدّ ورجل مجدود وضدّه محدود بالحاء ، أي : محروم ، كما قال ابن قتيبة في امرئ : ليخرج