يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

27

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

إذا ارعوى عاد إلى غيّه * كذي الضنى عاد إلى نكسه وجاء في الخبر أن اللّه تعالى لا يعذر على الجهل ، ولا يحل للجاهل أن يسكت على جهله ، ولا يحل للعالم أن يسكت على علمه . ويروى معنى هذا عن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه : لا خير في الصمت عن العلم كما لا خير في الكلام عن الجهل . وكان سهل رحمه اللّه يقول : ما عصي اللّه بمعصية أعظم من الجهل . قيل : يا أبا محمد فهل تعرف شيئا أشدّ من الجهل ؟ قال : نعم ، الجهل بالجهل . وفي مثل هذا أنشدوا : ومن أعجب الأشياء أنك لا تدري * وأنك لا تدري بأنك لا تدري فإن تك لا تدري ولم تك بالذي * يسائل من يدري فكيف إذا تدري تمام العمى طول السكوت وإنّما * شفاء العمى يوما سؤالك من يدري ويروى عن علي رضي اللّه عنه أنه قال : لا يستحي جاهل أن يسأل عما لا يعلم ولا يستحي عالم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول : اللّه أعلم . قلت : وليس عارا على من ليس يعلم علما أن يقول إذا ما سئل : لا أدري ، فذلك أحسن من أن يفتي الناس بالجهل الذي أولى بنفسه أن يزري . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : إذا أخطأ العالم لا أدري أصيبت مقاتله . ويروى عن مالك رضي اللّه عنه أنه كان يكتب إليه بالمسائل فيجيب في الأقل منها ويكتب على الأكثر : لا أدري ، والشيء يعرف بضدّه . فكذلك أيضا ما أطيع اللّه تعالى بمثل العلوم . ومن العلم العلم بالعلم أيّ شيء هو . وقد ذكر أبو طالب في القوت أن الناس ألفوا كتبا كثيرة وسموا ما فيها علما وليس كذلك . هذا معنى كلامه رحمه اللّه ، وإن لم يكن لفظه كذلك ، ورأيت لأبي الوليد الوقشي : برّح بي أن علوم الورى * علمان ما إن فيهما من مزيد حقيقة يعجز تحصيلها * وباطل تحصيله لا يفيد قلت : ولست ترى صاحب علم أيّ علم كان إلا وهو يرى أن لا فوق ما يعلم ، إن كان صاحب علم حديث ؛ يرى فضله على ما سواه . وصاحب علم القراءات ؛ يرى نفسه فوق بدرجات . وصاحب علم التفسير ؛ يرى غيره بعين التحقير . وصاحب الفقه يقول : لا شيء فوقه . وصاحب الأدب واللغة يقول : هذا الذي به أخبرت هو الطريق الذي يفهم به كل ما ذكرت . وصاحب الطب يقول : حفظ الصحة هو الأصل الذي تقوى به على العبادة . حتى صاحب النجوم والحساب يقول : لا بدّ من معرفة هذا بلا ارتياب . وصاحب الأصول يزيد على هذه الفصول ويقول : يكفي أن اسمه أصل ولا يثبت الفرع بغير أصل . وأما صاحب الكلام فعلى رسول اللّه السلام . وكل يرى أن