يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
196
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
بقدرة المكوّن ، وتصوّر وتلوّن بحكمة المصوّر والملوّن ، وهذه السنن التي سنّها في عباده والحكم التي أظهرها لهم من ارتباط الأشياء بعضها ببعض وظهورها بالوسائط والأسباب مثل كون الولد من الوالدين ، وخروج النار من بين الزندين ، ونبات النبات بين الشيئين ، إنما فائدتها لانخراق العادات للأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأولياء رضي اللّه عنهم ، جعلها لهؤلاء فضيلة وكرامة وللأنبياء عليهم الصلاة والسلام معجزة وعلامة ، إذ لو قال النبي : معجزتي أن أفعل لكم ما أردتم من كذا وكذا ، ويشير إلى المعتاد الذي يعرفه العباد ؛ لم تكن معجزة ولا استجاب له أحد ، فإذا أتى بالشيء الذي يعجز عنه البشر من انخراق العادات ثبتت المعجزات . مثال ذلك أن اللّه سبحانه وتعالى قد أجرى العادة أن النار تحرق بإذن اللّه وأن الماء يغرق من ألقي فيه كذلك بقدرة اللّه ، وقد رأينا عكس ذلك في الأنبياء والأولياء ، مثل الغلام الذي كان يلقيه الجبار في الماء فيخرج منه سالما ، انظره في كتاب مسلم . ومثل إبراهيم عليه السلام الذي لم تحرقه النار ، ولو كانت النار من شأنها الإحراق ولا بدّ لأحرقته كما أحرقت القيد الذي كان في رجليه الكريمتين ، صلى اللّه على نبينا محمد وعليه وسلم تسليما . فإذا النار مأمورة بحرق الحجل وترك الرجل وتضرم على أقوام إضراما وتكون لآخرين بردا وسلاما كما قال اللّه عز وجل : قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ [ الأنبياء : 69 ] ولولا ما قال : وَسَلاماً لقتله البرد . وكانت نارا عظيمة جمعوا لها الحطب زمانا ، حتى أن الشيخ الكبير الذي لم يخرج من بيته قبل ذلك زمانا كان يجيء بالحطب فيلقيه يتقرّب به إلى آلهتهم فيما يزعم ، فلما أرادوا أن يلقوه فيها لم يستطيعوا الدنوّ منها لشدّة حرّها وعظمها ، فألقي في المنجنيق وكان ذلك أوّل منجنيق عمل ، يقال : دلّهم عليه إبليس لعنه اللّه ، وجاءت عامّة الملائكة إلى ربها ، فقالت : يا رب خليلك يلقى في النار فأذن لنا أن نطفئ عنه ، فقال : هو خليلي ليس لي في الأرض خليل غيره وأنا إلهه ليس له إله غيري ، فإن استغاثكم فأغيثوه وإلا فدعوه ، وجاء ملك القطر فقال مثل ذلك ، فقيل له مثل ذلك ، قال : فلما ألقي في النار قال : حسبي اللّه ونعم الوكيل ، فقال اللّه تعالى : يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ [ الأنبياء : 69 ] قال : فبردت على أهل المشرق والمغرب ، فما أنضج بها يومئذ كراع . ويروى أن جبريل عليه السلام لقيه في الهواء قبل أن يصل إلى النار ، فقال له يا إبراهيم ألك حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا ، حسبي اللّه ونعم الوكيل ، فكان ما تقدّم ، واللّه أعلم . فلا تستغربن هذا في قدرة اللّه تعالى وفي حرمة نبي ، فقد كان قريب من هذا في