يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
128
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
يحليني الذهب يخشى عليّ حرّ اللّهب . وقال يحيى بن معاذ : الدرهم عقرب فإن لم تحسن رقيتها فلا تأخذها فإنها إن لدغتك قتلك سمها ، قيل : ما رقيتها ؟ قال : أخذها من حلها ووضعها في حقها . قلت : قوله ووضعها في حقها ، يريد أن لا تنفق إلا في الواجبات لا في المنهيات ولا في المحرمات ولا في الملاهي والتنزهات كما يصنع أهل الدنيا ، يتّخذون الأواني من الذهب والفضة ، ويقطعونهما للغزل والنسيج في الستور وغيرها لكسوة الحيطان ، وقد جاء النهي في ذلك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حيث يقول : قطع الذهب والفضة من الفساد في الأرض . قيل : معناه ما تقدّم . وقيل : قطعه قرضه للإنفاق إذا ضاق الصرف ، والأوّل أليق بالمعنى ، واللّه أعلم . وقد جاء في الحديث أنه نهى عليه الصلاة والسلام أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس . ذكره أبو داود وذكر ضعف إسناده . وجاء في الشرب في آنية الذهب والفضة : إنما يجرجر في بطنه نار جهنم ، أعاذنا اللّه منها . وجاء في الأثر أنه لما أخرج آدم عليه السلام من الجنة بكى عليه كل ما كان في الجنة إلا الذهب والفضة ، فقيل لهما في ذلك فقالا : لا نبكي على من عصى اللّه تعالى ، فقيل لهما : أنتما الحكام في الأرض . أو كما ورد الخبر ، واللّه أعلم . وقال أبو حامد رحمه اللّه : إنما الذهب والفضة في الأرض بمنزلة الحكام بين الناس ، فإذا صنع من الذهب والفضة إناء فقد عطل الحكم عن حكمه بمنزلة من أخذ القاضي من الناس وصرفه في مهنته وعطل الناس عن الوصول إلى حقوقهم ، وقد كان يمكنه أن يصرف غيره في ذلك ، كما كان يمكنه أن يتخذ إناء من فخار ، وهذا من قطع الذهب المنهي عنه في الشرع ، أو كما قال رحمه اللّه ، هذا معنى كلامه ، واللّه أعلم . فصل : [ وأختم لك هذا الباب بحكايات غراب ، فيها ذكر الدرهم فاقرأ تفهم ، . . . ] وأختم لك هذا الباب بحكايات غراب ، فيها ذكر الدرهم فاقرأ تفهم ، والحديث يجرّ بعضه بعضا فاسمعه أيضا . قال الأصمعي رحمه اللّه : حججت فمررت على بعض المناهل فإذا بجارية تسأل الناس وكأنّ وجهها بدر طالع ، فقلت لها : مثل هذا الوجه يسأل ؟ فأخرجت كفا لها من تحت خمار كأنه كف صبي ولطمت به وجهها ، ثم أنشأت تقول : لم أبده حتى تقضت حيلتي * فبذلته وهو الأعز الأكرم