أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
393
الكامل في اللغة والأدب
أعرابي بالبادية ، فحمد اللّه واستغفره ، ووحّده وصلى على نبيه . فبلغ في إيجاز . ثم قال : أيها الناس ، إن الدنيا دار بلاغ « 1 » ، والآخرة دار قرار ، فخذوا من مفرّكم لمقرّكم ، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفي عليه أسراركم ، في الدنيا كنتم ولغيرها خلقتم . أقول قولي هذا واستغفر اللّه لي ولكم والمصلّي عليه رسول اللّه ، والمدعوّ له الخليفة ، والأمير جعفر بن سليمان . وحدّثت في بعض الأسانيد أن عمر بن عبد العزيز ، قال في خطبة له : أيها الناس ، إنما الدنيا أمل محترم ، وأجل منتقص ، وبلاغ إلى دار غيرها ، وسير إلى الموت ليس فيه تعريج « 2 » ، فرحم اللّه امرا فكّر في أمره ، ونصح لنفسه وراقب ربّه ، واستقال ذنبه ، ونوّر قلبه . أيها الناس ، قد علمتم أن أباكم قد أخرج من الجنة بذنب واحد ، وأن ربكم وعد على التوبة ، فليكن أحدكم من ذنبه على وجل ، ومن ربه على أمل . ويروى أن رجلا معروفا ذهب اسمه عني ، قال : أتيت ابن عمر ، فقلت : أتجب الجنة لعامل بكل الخيرات ، وهو مشرك ؟ فقال : لا . فقلت له : أتجب النار لعامل بالشر كله وهو موحّد قال : عشّ ولا تغترّ ، قال : قال : وأتيت ابن عباس ، فسألته ، فأجابني بمثل جوابه سواء وقال : عشّ ولا تغتر « 3 » . قال : وحدثني بهذا الحديث القاضي ( يعني إسماعيل بن إسحاق ) وذكر العتبيّ ، أحسبه عن أبيه عن هشام بن صالح عن سعد القصر ، قال : خطب الناس بالموسم عتبة في سنة إحدى وأربعين ، وعهد الناس حديث بالفتنة ، فاستفتح ثم قال : أيها الناس ، إنا قد ولينا هذا الموضع الذي يضاعف اللّه فيه للمحسن الأجر ، وعلى المسئ الوزر ، فلا تمدوا الأعناق إلى غيرنا ، فإنها تنقطع دوننا ، ورب متمنّ في أمنيّته ، اقبلوا العافية ما قبلناها منكم وفيكم ، وإياكم ولو ، فقد أتعبت من كان قبلكم ولن تريح من بعدكم ، فاسألوا اللّه أن يعين كلّا على كلّ ، فنعق به اعرابي من مؤخّر المسجد ، فقال : أيها الخليفة !
--> ( 1 ) البلاغ ما يتبلغ به ويوصل إلى المطلوب . ( 2 ) التعريج : حبس المطية على المنزل والإقامة به . ( 3 ) مثل تضربه العرب بطلب فيه الحذر .