أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )

318

الكامل في اللغة والأدب

عليه برّا وفضلا وركما وعقلا ومجدا ونبلا ، وإن كان في المال قلّ ، فإنما المال ظلّ زائل ، وعارية مسترجعة ، وله في خديجة بنت خويلد رغبة ، ولها فيه مثل ذلك ، وما أحببتم من الصداق فعليّ . وهذه الخطبة من أقصد خطب الجاهلية . ومن جميل محاورات العرب ما روي لنا عن يحيى بن محمد بن عروة عن أبيه عن جده ، قال : أقحمت السنة علينا النابغة الجعديّ فلم يشعر به ابن الزبير حين صلى الفجر حتى مثل بين يديه ، يقول : حكيت لنا الصدّيق حين وليتنا * وعثمان والفاروق فارتاح معدم وسوّيت بين الناس في العدل فاستووا * فعاد صباحا حالك الليل « 1 » مظلم أتاك أبو ليلى « 2 » يشقّ به الدجى * دجى الليل جوّاب الفلاة عثمثم لترفع منه جانبا ذعذعت به * صروف الليالي والزمان المصمّ ؟ فقال له ابن الزبير : هوّن عليك أبا ليلى ، فأيسر وسائلك عندنا الشعر ، أما صفوة أموالنا فلبني أسد ، وأما عفوتها فلآل الصدّيق ، ولك في بيت المال حقّان ، حقّ لعصبتك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وحق بحقك في المسلمين ، ثم أمر له بسبع قلائص وراحلة رحيل . ثم أمر بأن توفر له حبّا وتمرا ، فجعل أبو ليلى يأخذ التمر فيستجمع به الحب فيأكله ، فقال له ابن الزبير : لشدّ ما بلغ منك الجهد يا أبا ليلى ، فقال النابغة : أما على ذاك لسمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : ما استرحمت قريش فرحمت وسئلت فأعطت ، وحدّثت فصدقت ووعدت فأنجزت ، فأنا والنبيون على الحوض فرّاط لقادمين ، قوله : أقحمت السنة يكون على وجهين ، يقال : اقتحم إذا دخل قاصدا . وأكثر ما يقال من غير أن يدخل ويكون من القحمة ، وهي السنة الشديدة ، وهو أشبه الوجهين ، والآخر حسن والسنة الجدب ، يقال أصابتهم سنة ، أي جدب . ومن ذا قوله جل وعز : وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ « 3 » أي بالجدب . وقوله : صفوة ، فهي في

--> ( 1 ) حالك الليل : شديد السواد وهو السيد الجامع لكل خير . ( 2 ) أبو ليلى : كنية للنابغة . ( 3 ) سورة الأعراف : الآية 130 .