أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
292
الكامل في اللغة والأدب
انقضى من مقامه ثمانية عشر شهرا اختلفوا ، وكان سبب اختلافهم أن رجلا حدادا من الأزارقة كان يعمل نصالا مسمومة فيرمى بها أصحاب المهلّب ، فرفع ذلك إلى المهلّب ، فقال : أنا اكفيكموه إن شاء اللّه ، فوجّه رجلا من أصحابه بكتاب وألف درهم إلى عسكر قطريّ فقال : ألق هذا الكتاب في عسكر قطريّ ، واحذر على نفسك ، وكان الحدّاد يقال له أبرى . فمضى الرسول ، وكان في الكتاب : أما بعد ، فإن نصالك قد وصلت إليّ ، وقد وجهت إليك بألف درهم فاقبضها وزنا من هذه النصال . فوقع الكتاب والدراهم إلى قطريّ ، فدعا بأبرى ، فقال ، ما هذا الكتاب قال لا أدري ! قال : فهذه الدراهم ؟ : ما أعلم علمها ، فأمر به ، فقتل فجاءه عبد ربّه الصغير مولى بني قيس بن ثعلبة ، فقال له : أقتلت رجلا على غير ثقة ولا تبيّن ؟ فقال له : ما حال هذه الدراهم ؟ قال : يجوز أن يكون أمرها كذبا ، ويجوز أن يكون حقا ، فقال له قطريّ : قتل رجل في صلاح الناس غير منكر ، وللإمام أن يحكم بما راه صلاحا وليس للرعية أن تعترض عليه . فتنكّر له عبد ربّه في جماعة ولم يفارقوه ، فبلغ ذلك المهلّب ، فدسّ إليه رجلا نصرانيا ، فقال له : إذا رأيت قطريا فاسجد له ، فإذا نهاك فقل إنما سجدت لك . ففعل النصراني ، فقال له قطري : إنما السجود للّه ، فقال : ما سجدت إلا لك ، فقال له رجل من الخوارج : قد عبدك من دون اللّه ، وتلا : إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ « 1 » . فقال قطري : إن هؤلاء النصارى قد عبدوا عيسى بن مريم ، فما ضرّ ذلك عيسى شيئا . فقام رجل من الخوارج إلى النصراني فقتله ، فأنكر ذلك عليه . وقال : أقتلت ذمّيّا ! فاختلفت الكلمة ، فبلغ ذلك المهلب ، فوجّه إليهم رجلا يسألهم عن شيء تقدم به إليه . فأتاهم الرجل ، فقال : أرأيتم رجلين خرجا مهاجرين إليكم فمات أحدهما في الطريق وبلغكم الآخر فامتحنتموه ، فلم يجر المحنة « 2 » ما تقولون فيهما ؟ فقال بعضهم :
--> ( 1 ) سورة الأنبياء : الآية رقم 98 . ( 2 ) المحنة : بالكسر اسم من الامتحان .