أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )

283

الكامل في اللغة والأدب

وقد كان الحجاج في كل يوم يتفقد العصاة ويوجّه الرجال ، فكان يحبسهم نهارا ويفتح الحبس ليلا فينسل الناس إلى ناحية المهلّب وكأنّ الحجاج لا يعلم ، فإذا رأى إسراعهم تمثّل : إنّ لها لسائقا عشنزرا * إذا ونين « 1 » ونية تغشمرا العشنزر الصلب ، والتغشمر ركوب الرأس ، والمتغشمر الجادّ على ما خيّلت . وكتب إلى المهلّب من قبل الوقعة : أما بعد ، فإنه بلغني أنك أقبلت على جباية الخراج ، وتركت قتال العدوّ ، وإني ولّيتك وأنا أرى مكان عبد اللّه بن حكيم المجاشعيّ وعبّاد بن حصين الحبطيّ ، واخترتك وأنت من أهل عمان ، ثم رجل من الأزد فالقهم يوم كذا في مكان كذا ، وإلا أشرعت إليك صدر الرمح . فشاور بنيه ، فقالوا : إنه أمير فلا تغلط عليه في الجواب . جواب المهلب فكتب إليه المهلّب : ورد عليّ كتابك ، تزعم أني أقبلت على جباية الخراج وتركت قتال العدوّ ، ومن عجز عن جباية الخراج فهو عن قتال العدو أعجز ، وزعمت أنك وليتني وأنت ترى مكان عبد اللّه بن حكيم المجاشعي وعباد بن حصين الحبطي ، ولو وليتهم لكانا مستحقين لذلك في فضلهما وغنائها وبطشهما ، واخترتني وأنا رجل من الأزد ، ولعمري إن شرا من الأزد كقبيلة تنازعها ثلاث قبائل لم تستقر في واحدة منهن ، وزعمت أني إن لم ألقهم في يوم كذا في مكان كذا أشرعت « 2 » إليّ صدر الرمح ، فلو فعلت لقلبت إليك ظهر المجنّ « 3 » والسلام . ثم كانت الوقعة ، فلما انصرف الخوارج قال المهلّب لابنه المغيرة : إني أخاف البيات على بني تميم ، فانهض إليهم فكن

--> ( 1 ) ونين : قصرن . ( 2 ) أشرعت : وجهت نحوك . ( 3 ) هذه كلمة تضرب مثلا لمن كان لصاحبه على مودة أو رعاية ثم حال عن ذلك ، والمجن الترس لا يواري حامله والميم زائدة .