أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
280
الكامل في اللغة والأدب
وجوها ما القبول من شأنها ، فقال له ابن زحر : أيها العبد ، اقرأ ما في الكتاب وانظر . إلى صاحبك ، فأنك لا تدري ما في أنفسنا . وجعلوا يستعجلونه في قراءته . ثم قصدوا قصد الكوفة فنزلوا النخيلة وكتبوا إلى خليفة بشر يسألونه أن يأذن لهم في الدخول ، فأبى ، فدخلوها بغير إذن . ولاية الحاج للعراق فلم يزل المهلّب ومن معه من قوّاده وابن مخنف في عدد قليل فلم ينشبوا أن ولي الحجاج العراق فدخل الكوفة قبل البصرة ، وذلك في سنة خمس وسبعين ، فخطبهم وتهددهم . وقد ذكرنا الخطبة متقدما . ثم نزل فقال لوجوه أهلها : ما كانت الولاة تفعل بالعصاة ؟ قالوا : كانت تضرب وتحبس ! فقال الحجاج : ولكن ليس لهم عندي إلا السيف ، إن المسلمين لو لم يغزوا المشركين لغزاهم المشركون ، ولو ساغت المعصية لأهلها ما قوتل عدوّ ولا جبي فيء ولا عزّ دين . ثم جلس لتوجيه الناس ، فقال : قد أجّلتكم ثلاثا ، وأقسم باللّه لا يتخلّف أحد من أصحاب ابن مخنف بعدها ولا من أهل الثغور إلا قتلته . ثم قال لصاحب حرسه وصاحب شرطه : إذا مضت ثلاثة أيام فاتخذا سيوفكما عصيّا ، فجاءه عمير بن ضابئ البرجميّ بابنه فقال : أصلح اللّه الأمير ، إن هذا أنفع لكم مني ، هو أشدّ بني تميم أيدا وأجمعهم « 1 » سلاحا وأربط بهم جأشا « 2 » ، وأنا شيخ كبير عليل ، واستشهد جلساءه ، فقال الحجاج : إن عذرك لواضح وإن ضعفك لبيّن ، ولكني أكره أن يجترئ بك الناس عليّ ، وبعد فأنت ابن ضابئ صاحب عثمان ، ثم أمر به فقتل فاحتمل الناس وإن أحدهم ليتّبع بزاده وسلاحه ، ففي ذلك يقول ابن الزبير « 3 » الأسديّ : أقول لعبد اللّه يوم لقيته * أرى الأمر أمسى منصبا « 4 » متشعّبا
--> ( 1 ) الأيد : القوة . ( 2 ) أربطهم جأشا : أكثرهم ثبتا . ( 3 ) ابن الزبير : كأمير وهو جده وأبوه عبد اللّه . ( 4 ) المنصب : المتعب .