أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
230
الكامل في اللغة والأدب
وخاذلوه ، ولئن كان قاتلوه مهتدين وإنهم لمهتدون لقد كفر من يتولاه وينصره ويعضده . ولقد علمت أن أباك وطلحة وعليّا كانوا أشد الناس عليه ، وكانوا في أمره من بين قاتل وخاذل ، وأنت تتولى أباك وطلحة وعثمان . وكيف ولاية قاتل متعمّد ومقتول في دين واحد ! ولقد ملك عليّ بعد فنفى الشبهات ، وأقام الحدود وأجرى الأحكام مجاريها ، وأعطى الأمور حقائقها في ما عليه وله . فبايعه أبوك وطلحة ثم خلعاه ظالمين له وإنّ القول فيك وفيهما لكما قال ابن عباس : إن يكن عليّ في وقت معصيتكم ومحاربتكم له كان مؤمنا أما لقد كفرتم بقتال المؤمنين وأئمة العدل ، ولئن كان كافرا كما زعمتم وفي الحكم جائرا لقد بؤتم بغضب من اللّه لفراركم من الزحف . ولقد كنت له عدوّا ولسيرته عائبا فكيف تولّيته بعد موته فاتّق اللّه فإنه يقول : وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ « 1 » وكتب نافع إلى من بالبصرة من المحكّمة : بسم اللّه الرحمن الرحيم . أما بعد ، فإن اللّه اصطفى لكم الدين فلا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون ، واللّه إنكم لتعلمون إن الشريعة واحدة ، ففيم المقام بين أظهر الكفار ، ترون الظلم ليلا ونهارا ، وقد ندبكم اللّه إلى الجهاد فقال : وقاتلوا المشركين كافّة ، ولم يجعل لكم في التخلّف عذرا في حال من الحال ، فقال : انفروا خفافا وثقالا . وإنما عذر الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون ! ومن كانت إقامته لعلّة . ثم فضّل عليهم مع ذلك المجاهدين فقال : لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ « 2 » فلا تغترّوا ولا تطمئنوا إلى الدنيا فإنها غرّارة مكّارة لذّتها نافذة ونعمتها بائدة حفّت بالشهوات اغترارا ، وأظهرت حبرة « 3 » وأضمرت عبرة ، فليس اكل منها أكلة تسرّه ولا شارب شربة تؤنقه « 4 » إلّا دنا بها درجة إلى أجل . ، وتباعد بها مسافة من أمله ، وإنما
--> ( 1 ) سورة التوبة : الآية 23 . ( 2 ) سورة النساء : الآية 95 . ( 3 ) الحبرة : بالفتح الحسن وأثر النعمة . ( 4 ) تؤنقه : أي تعجبه وتسره .