أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
117
الكامل في اللغة والأدب
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم * دجى الليل حتى نظّم الجزع ثاقبه ويروى عن الأصمعي أنه رأى رجلا يختال في أزيّر « 1 » في يوم قرّ في مشيته فقال له : ممن أنت يا مقرور . فقال أنا ابن الوحيد أمشي الخيزلى « 2 » ويدفئني حسبي . وقيل لآخر في هذه الحال أما يوجعك البرد ؟ فقال : بلى واللّه ولكني أذكر حسبي فأدفأ . وأصوب منهما قول العريان الذي سئل في يوم قرّ عما يجد فقال : ما عليّ منه كبير مئونة . وقيل وكيف ؟ فقال دام بي العري فاعتاد بدني ما تعتاده وجوهكم . ومن التشبيه القاصد الصحيح قول النابغة : وعيد أبي قابوس « 3 » في غير كنهه * أتاني ودوني راكس « 4 » فالضّواجع « 5 » فبتّ كأني ساورتني « 6 » ضئيلة « 7 » * من الرّقش « 8 » في أنيابها السّمّ ناقع يسهّد من نوم العشاء سليمها « 9 » * لحلي النساء في يديه قعاقع تناذرها الراقون « 10 » من سوء سمّها * تطلّقه طورا وطورا تراجع فهذه صفة الخائف المهموم . ومثل ذلك قول الآخر : تبيت الهموم الطارقات يعدنني * كما تعتري الأوصاب رأس المطلّق والمطلق هو الذي ذكره النابغة في قوله . ( تطلقه طورا وطورا تراجع ) وذاك أن المنهوش إذا ألحّ الوجع به تارة وأمسك عنه تارة ، فقد قارب أن يوأس من
--> ( 1 ) أزير : مصغر الإزار . ( 2 ) الخيزلى : بالقصر مشية فيها تثاقل وتفكك . ( 3 ) أبو قابوس كنية النعمان بن المنذر ملك العرب . ( 4 ) وراكس : اسم وادي . ( 5 ) الضواجع : اسم موضع . ( 6 ) ساورتني : واثبتني . ( 7 ) الضئيلة : الحية الدقيقة . ( 8 ) الرقش جمع رقشاء : وهي الحية المنقطة بسواد وبياض . ( 9 ) السليم : اللديغ . ( 10 ) تناذرها الراقون : انذر بعضهم بعضا وحذره وخوّفه .