أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
84
الكامل في اللغة والأدب
لصاحبه : مل بنا إلى هذا الذي كأنّ سمته سمت المسيح فعدّلا إليه فألفياه مفترشا بذقنه ظاهر كفّه وهو يقول : يا عجبا لقوم قد أمروا بالزاد وأوذنوا « 1 » بالرحيل وأقام أوّلهم على آخرهم فليت شعري ما الذي ينتظرون ! ونظر الحسن إلى الناس في مصلّى البصرة يضحكون ويلعبون في يوم عيد ، فقال الحسن أن اللّه جعل الصوم مضمارا « 2 » لعباده ليستبقوا إلى طاعته فسبق أقوام ففازوا وتخلّف آخرون فخابوا ولعمري لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه ومسيء بإساءته عن تجديد ثوب أو ترطيل شعر . قوله ترطيل شعر إنما هو تليين الشعر بالدهن وما أشبه ، ويقال للرجل إذا كان فيه لين وتوضيع رجل رطل والذي يوزن به ويكال يقال له رطل بكسر الراء . وكان الحسن يقول اجعل الدنيا كالقنطرة تجوز عليها ولا تعمرها ، قوله القنطرة يعني هذه المعقودة المعروفة عند الناس والعرب تسمّي كل أزج « 3 » قنطرة . قال طرفة بن العبد : كقنطرة الرّوميّ أقسم ربّها * لتكتنفا حتى تشاد بقرمد قوله : حتى تشاد ، يقول : تطلى وكلّ شيء طليت به البناء من جصّ أو جيّار وهو الكلس فهو الشّيد يقال دار مشيّدة وقصر مشيد . قال اللّه عز وجل : « ولو كنتم في بروج مشيّدة » « 4 » وقال الشمّاخ : لا تحسبنّي وإن كنت امرأ غمرا « 5 » * كحيّة الماء بين الطين والشّيد ة قال عديّ بن زيد العبادي : شاده مرمرا وجلّله كلسا * فللطير في ذراه وكور
--> ( 1 ) أوذنوا بالرحيل : أعلنوا بالسفر عن هذه الديار . ( 2 ) مضمارا : في الأصل غابة الفرس في السباق . وهنا يريد أن اللّه يجعل الصوم غاية يتسابق إليها الخلق . ( 3 ) أزج : محركا نوع من الأبنية . ( 4 ) سورة النساء : الآية 78 . ( 5 ) الغمر : ساكن الميم ، الكريم : الواسع الخلق .