أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
79
الكامل في اللغة والأدب
دعوا يا لسعد وانتمينا لطيئ * أسود الشّرى إقدامها ونزالها قوله : نهالا فإنما يريد أنها قد وردت الدّم مرة ولم تثنّ ، وذلك أن الناهل الذي يشرب أوّل شربة فإذا شرب ثانية فهو عال ، يقال : سقاه علا بعد نهل وعللا بعد نهل وفي المثل سمته سوم عالّة إذا عرضت عليه عرضا يستحي من أن يقبل معه والعالّة لا حاجة بها إلى الشرب وإنما يعرض عليها تعزيزا ، قال : وأسباب المنايا نهالها ، أي أول ما يقع منها يكون سببا لما بعده . وأنشدني غير واحد : وأنّ أشدّاء الرجال طيالها ، وليس هذا بالجيّد وإنما قلبت الواو ياء لوقوعها بين كسرة وألف كقولهم : ثياب وحياض وسياط ، الواحد ثوب وحوض وسوط وهذا جيد لسكون الواو في الواحد فأما في مثل طوال فإنما يحوز على التشبيه بهذا وليس بجيد لتحرّك الواو . وأنشدني مسعود بن بشر المازنيّ : لهم أوجه بيض حسان وأذرع * طيال ومن سيما الملوك نجار ومجاز هذا في النحو ما وصفت لك . والعرب تمدح بالطول وتضع من القصر ، فلا يذكره منهم إلا محتجّ عن نفسه ولا يمدح به غيره قال عنترة : بطل كأن ثيابه في سرحة « 1 » * يحذى نعال السبت « 2 » ليس بتوأم « 3 » يقول لم يشارك في الرحم ، وقال جرير : تعالوا ففاتونا ففي الحكم مقنع * إلى الغرّ من أهل البطاح الأكارم فإني لأرضى عبد شمس وما قضت * وأرضى الطوال البيض من آل هاشم وقال حسّان بن ثابت : وقد كنّا نقول إذا رأينا * لذي جسم يعدّ ذوي بيان كأنك أيها المعطى بيانا * وجسما من بني عبد المدان « 4 »
--> ( 1 ) السرحة : شجرة طويلة عظيمة . واستعمالها هنا كناية عن تمام الخلق والعظمة . ( 2 ) السبت : بالكسر جلود البقر . أو كل جلد مدبوغ تتخذ منها البغال وكني بذلك عن عزه ومجده . ( 3 ) ليس بتوأم : كناية عن تمام خلقه . ( 4 ) المدان : كسحاب اسم لصنم نسبت إليه القبيلة .