أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
260
الكامل في اللغة والأدب
فظهرت رائحة الشراب منك لم آمن أن يظنّ بي فدع النبيذ وكن أوّل داخل عليّ وآخر خارج عني ، فقال له حارثة : أنا لا أدعه لمن يملك ضرّي ونفعي أفأدعه للحال عندك . قال فاختر من عملي ما شئت ، قال : تولّيني رام هرمز « 1 » فإنها أرض عذاة « 2 » وسرّق فإن بها شرابا وصف لي فولاه إياهما ، فلما خرج شيّعه الناس فقال أنس بن أبي أنيس : أحار بن « 3 » بدر قد وليت إمارة * فكن جرذا « 4 » فيها تخون وتسرق ولا تحقرن يا حار شيئا وحدته * فحظّك من ملك العراقين سرّق وباه تميما بالغنى أن للغنى * لسانا به المرء الهيوبة « 5 » ينطق فإن جميع النّاس إمّا مكذّب * يقول بما يهوى وإما مصدّق يقولون أقوالا ولا يعلمونها * ولو قيل هاتوا حقّقوا لم يحقّقوا ورثى حارثة بن بدر زيادا وكان زياد مات بالكوفة ودفن بالثويّة فقال : صلى الإله على قبر وطهّره * عند الثويّة يسفي فوقه المور « 6 » زفّت إليه قريش نعش سيدها * فثمّ كلّ التقى والبرّ مقبور أبا المغيرة والدنيا مفجّعة * وإنّ من غرّت الدنيا لمغرور « 7 » قد كان عندك بالمعروف معرفة * وكان عندك للنكراء تنكير وكنت تعشى وتعطى المال من سعة * إن كان بيتك أضحى وهو مهجور الناس بعدك قد خفّت حلومهم * كأنما نفخت فيها الأعاصير « 8 »
--> ( 1 ) رام هرمز : بلد بولاية خوزستان من أعمال العراق . ( 2 ) العذاة : بالفتح الأرض الطيبة البعيدة عن الماء . ( 3 ) أحار الهمزة للنداء : وحار مر فم حارث . ( 4 ) الجرذ ضرب من الفار . ( 5 ) الهيوبة من الهيبة وهي المخافة والتعبة - والهيوب الجبال الذي يخاف الناس . ( 6 ) المور : بالضم الغبار المتردد في الهواء والذي تثيره الرياح وسفت الريح أتراب أي ذرته وحملته . ( 7 ) النكراء المنكر وهو ضد المعروف والتنكير تغير المنكر كالإنكار . ( 8 ) الأعاصير : الرياح القوية .