أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
259
الكامل في اللغة والأدب
من الجانب الأقصى « 1 » وإن كان ذا غنى * جزيل ولم يخبرك مثل مجرّب ( وإن خبرتك النفس أنك قادر * على ما حوت أيدي الرجال فكذّب ) إذا كنت في قوم عدا لست منهم * فكل ما علفت من خبيث وطيّب العدا الغرباء في هذا الموضع . ويقال للأعداء عدا ، والعداة الأعداء لا غير . وقال أعرابي من باهلة : سأعمل نصّ العيس حتى يكفّني * غنى المال يوما أو غنى الحدثان فللموت خير من حياة يرى لها * على المرء ذي العلياء مسّ هوان متى تتكلّم يلغ حكم مقاله * وإن لم يقل قالوا : عديم بيان كأنّ الغنى في أهله بورك الغنى * بغير لسان ناطق بلسان في وصف الفقر والغنى ونظير هذا الشعر ما حدّثنا به في أمر حارثة بن بدر الغدانيّ ، فإنا حدّثنا عن حارثة بن بدر ، وكان رجل بني تميم في وقته ، وكان قد غلب على زياد وكان الشراب قد غلب عليه فقيل لزياد : إن هذا قد غلب عليك وهو مستهتر بالشراب فقال زياد : كيف لي باطّراح رجل هو يسايرني منذ دخلت العراق لم يصكك ركاباه ، ولا تقدّمني فنظرت إلى قفاه ، ولا تأخّر عني فلويت عنقي إليه ، ولا أخذ عليّ الشمس في شتاء قطّ ولا لروح « 2 » في صيف قطّ ، ولا سألته عن علم إلا ظننت أنه لم يحسن غيره . فلما مات زياد جفاه عبيد اللّه ، فقال له حارثة : أيها الأمير ما هذا الجفاء مع معرفتك بالحال عند أبي المغيرة . فقال له عبيد اللّه : إن أبا المغيرة كان قد برع بروعا لا يلحقه معه عيب وأنا حدث وإنما انتسب إلى من يغلب عليّ وأنت رجل نديم الشراب ، فمتى قرّبتك
--> ( 1 ) الجانب الأقصى : مرتبط بقوله خير بقية على أنه المفصل عليه وأراد به من لم يكن من قومه وعشيرته وقوله لم يخبرك مثل مجرب . ( 2 ) الروح : بالفتح نسيم الريح .