أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )

169

الكامل في اللغة والأدب

ويقال للشيخ قد تخدد يراد قد تشنّج جلده وقال اللّه عزّ وجل : قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ « 1 » . وقيل في التفسير هؤلاء قوم خدّوا أخاديد في الأرض وأشعلوا فيها نيرانا فحرّقوا بها المؤمنين . وقوله : عضّت من الوجد بأطراف اليد فإن الحزين والمغيظ والنادم والمتأسّف يعضّ أطراف أصابعه جزعا . قال اللّه عزّ وجل : عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ « 2 » . وفي مثل ما ذكرنا من تخدّد لحم الشيخ . في الرثاء يقول القائل : ذهب الشباب فلا شباب جمانا « 3 » * وكأنّ ما قد كان لم يك كانا وطويت كفّي يا جمان على العصا * وكفى جمان بطيّها حدثانا ) يا من لشيخ قد تخدّد لحمه * أفنى ثلاث عمائم ألوانا ( ألوانا صفة لثلاث على المعنى كأنه قال مختلفات ) : سوداء حالكة وسحق مفوّف * وأجدّ لونا بعد ذاك هجانا ( صحب الزمان على اختلاف فنونه * فأراه منه كارهة وهوانا ) قصر الليالي خطوه فتدانى * وحنون قائم صلبه فتحانا والموت يأتي بعد ذلك كلّه * وكأنما يعني بذاك سوانا قوله : أفنى ثلاث عمائم يعني أن شعره كان أسود ثم حدث فيه شيب مع السواد ، فذلك قوله مفوّف والتفويف التنقيش وإنما أخذ من الفوف وهي النكتة البيضاء التي تحدث في أظفار الأحداث وسميت بذلك لشبهها بشجرة يقال لها الفوفة وجمعها فوف ، والسحق الخلق يقال عنده سحق ثوب وجرد ثوب وسمل ثوب ، وقوله أجدّ أي استجدّ لونا ، والهجان الأبيض وهي العمامة الثالثة يعني حيث شمله الشيب .

--> ( 1 ) سورة البروج : الآية 4 . ( 2 ) سورة آل عمران : الآية 119 . ( 3 ) جمانا : اسم امرأة .