أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
156
الكامل في اللغة والأدب
راحت بستّين وسقا « 1 » في حقيبتها * ما حملت حملها الأدنى ولا السّندا فإنما أراد ما يوجب ستين وسقا لا أن الناقة حملت ستين وسقا . حديث أبي وجزة السلمي وكان من حديث ذلك أن أبا وجزة السلميّ المعروف بالسعديّ لنزوله فيهم ومخالفته إياهم ، كان شخص إلى المدينة يريد آل الزبير ، وشخص أبو زيد الأسلميّ يريد إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم وهو والي المدينة ، فاصطحبا فقال : أبو وجزة : هلمّ فلنشترك في ما نصيبه . فقال أبو زيد الأسلميّ : كلّا أنا أمدح الملوك وأنت تمدح السّوق « 2 » . فلما دخلا المدينة صار أبو زيد إلى إبراهيم بن هشام فأنشده : يا ابن هشام يا أخا الكرام ، فقال إبراهيم : وإنما أنا أخوهم وكأني لست منهم . ثم أمر به فضرب بالسياط . وامتدح أبو وجزة آل الزبير فكتبوا إليه بستين وسقا من تمر وقالوا : هي لك عندنا في كلّ سنة . فانصرفا فقال أبو زيد : مدحت عروقا « 3 » للندى مصّت الثرى * حديثا فلم تهمم بأن تتزعزعا نقائذ بؤس ذاقت الفقر والغنى * وحلّبت الأيام والدهر أضرعا سقاها ذوو الأرحام « 4 » سجلا على الظما * وقد كربت أعناقها أن تقطّعا بفضل سجال « 5 » لو سقوا من مشى بها * على الأرض أرواهم جميعا وأشبعا
--> ( 1 ) الوسق بفتح الواو : ستون صاعا أو حمل بعير . ( 2 ) السوق : جمع سوقة بالضم ومعناها الرعية أو الجمع . ( 3 ) العروق : جمع عرق بالكسر وكأنه أراد به الأرض الملح التي لا تنبت شيئا واستعاره لهم ذما وهجاء والثرى الندى الساقط من السماء استعارة للغني وكثرة المال . ( 4 ) ذوو الأرحام : قصد بهم « بنو أمية » وكان إبراهيم بن هشام خال هشام بن عبد الملك بن مروان وهما من ملوك بني أمية ، قد أدركا أقاربهما من بني مخزوم - فأنقذوهم من الفقر وأفضلوا عليهم بالغنى بعد أن كادت أعانقهم تقطع من البؤس والفاقة . ( 5 ) سجال : بفتح السين وهي الدلو العظيمة مملوءة واستعمال ذلك ورد هنا كناية على ما أفضلوا به عليهم .