أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )

131

الكامل في اللغة والأدب

استغنى فيها فتن ، ومن افتقر فيها حزن . وقال الربيع بن زياد الحارثيّ : كنت عاملا لأبي موسى الأشعريّ على البحرين ، فكتب إليه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، يأمره بالقدم عليه هو وعماله وأن يستخلفوا جميعا قال : فلما قدمنا أتيت يرفأ فقلت ( يا يرفأ « 1 » مسترشد وابن سبيل أيّ الهيات أحبّ إلى أمير المؤمنين أن يرى فيها عمّاله ، فأومأ إليّ بالخشونة ، فاتخذت خفّين مطارقين « 2 » ولبست جبة صوف ، ولثت عمامتي على رأسي ، فدخلنا على عمر فصفّنا بين يديه فصعّد فينا وصوّب ، فلم تأخذ عينه أحدا غيري ، فدعاني . فقال : من أنت ؟ قلت الربيع بن زياد الحارثي . قال : وما تتولى من أعمالنا ؟ قلت : البحرين . قال كم ترتزق ؟ قلت ألفا . قال كثير فما تصنع به ؟ قلت أتقوّت منه شيئا وأعود به على أقارب لي فما فضل عنهم فعلى فقراء المسلمين . قال فلا بأس ارجع إلى موضعك ، فرجعت إلى موضعي من الصفّ فصعّد فينا وصوّب فلم تقع عينه إلا عليّ فدعاني فقال : كم سنّك ؟ قلت خمس وأربعون سنة . قال الآن حين استحكمت ، ثم دعا بالطعام وأصحابي حديث عهدهم بليّن العيش وقد تجوّعت له ، فأتي بخبز وأكسار بعير ، فجعل أصحابي يعافون ذلك وجعلت آكل فأجيد فجعلت أنظر إليه يلحظني من بينهم ثم سبقت مني كلمة تمنّيت أني سخت في الأرض ، فقلت : يا أمير المؤمنين إن الناس يحتاجون إلى صلاحك فلو عمدت إلى طعام ألين من هذا ، فزجرني ثم قال كيف قلت ؟ فقلت أقول يا أمير المؤمنين أن تنظر إلى قوتك من الطحين فيخبز لك قبل إرادتك إياه بيوم ، ويطبخ لك اللحم كذلك فتؤتى بالخبز ليّنا واللحم غريضا ، فسكن من غربه وقال أههنا غرت ؟ قلت نعم . فقال يا ربيع إنا لو نشاء ملأنا هذه الرحاب من صلائق وسبائك وصناب ، ولكني رأيت اللّه عز وجل نعى على قوم شهواتهم فقال : أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا « 3 » ثم أمر أبا

--> ( 1 ) يرفأ : كيمنع مولى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه . ( 2 ) مطارقين : من قوله طارق بين نعلين إذا أخفض أحدهما على الأخرى ويقال منه نعل مطارقة أي رفع رأسه نحونا وخفضه . ( 3 ) سورة الأحقاف : الآية 20 .