أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )

498

قهوة الإنشاء

يا أخا الأدب ما الأدب إلا هبة إلهية ، وملكة ملكيه ، إذا جليت بدوره في مطالع الصدور جلت الظلمة ، وحسبك أن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « إن من البلاغة لسحرا ، وإن من الشعر لحكمه » « 1 » ، وباللّه أقسم ما سمعت شيئا من طيب الأدب إلا خلب لبّي ، وأخذ بمجامع قلبي : [ من الوافر ] ومن حضر السماع بغير قلب * ولم يطرب فلا يلم المغنّي وبعد ، فيا ويح سكران وجد لم يمل وهو إلى حبه ثائر ، وأف لبدوي لم يطربه ذكر حاجر . وحكى صاحب الأغاني أن رجلا أدّى شهادة عند بعض القضاة فقال له القاضي : « هل يعرفك أحد من ذوي العدالة ؟ » فقال : « نعم فلان » فلما حضر قال له القاضي : « هل تعرف هذا ؟ » فقال : « نعم أعرفه عدلا رضى وما ذاك إلا أني سمعته ينشد لجرير : « 2 » [ من الكامل ] إنّ الذين غدوا بلبّك غادروا * وشلا بعينك لا يزال معينا غيّضن من أبصارهن « 3 » وقلن لي * ما ذا لقيت من الهوى ولقينا فعلمت أن هذا لا يرسخ إلا في قلب مؤمن » . وذكر القاضي شمس الدين ابن خلكان في تاريخه « 4 » أن إبراهيم الموصلي النديم مات سنة ثمان وثمانين ومائة ومات في يوم موته الكسائي النحوي والعباس بن الأحنف ، فرفع ذلك إلى الرشيد [ فأمر المأمون أن يصلّي عليهم ] فقصد الصلاة عليهم فلما مثّلوا بين يديه قال : « من هذا الأول ؟ » فقيل : « إبراهيم الموصلي » فقال : « أخّروه ، وقدّموا العباس ابن الأحنف » فقدّم فصلى عليه ، ولما فرغ وانصرف ، دنا منه هاشم بن عبد اللّه [ بن مالك ] الخزاعي [ فقال ] : « يا أمير المؤمنين كيف آثرت [ العباس بن ] « 5 » الأحنف بالتقدمة على من حضر ؟ » فقال : « لقوله : [ من الكامل ]

--> ( 1 ) مسند أحمد بن حنبل ، حيث يرد الحديث في صياغات مختلفة منها : الأرقام 2761 ، 3025 ، 3068 وسواها . ( 2 ) « ديوان جرير » ج 1 ص 386 . ( 3 ) أبصارهن : نفس المرجع : عبراتهن . وفي هامش الأصل من الديوان : قيّضن نقضن . ( 4 ) « وفيات الأعيان » لابن خلكان ج 2 ص 231 . ( 5 ) ما بين الحاصرتين زيادات أخذت من وفيات الأعيان .